وكذلك: (ألا تَتَبِعَن) هو في طريق الهداية لا في مسير موسى إلى ربه. يدلك عليه: (أَفَعَصيتَ أَمري).
ولم يأمره بالمسير الحسي إنما أمره بخلفه في قومه ويصلح. فهذا على غير حال قول هارون: (فاتبِعوني وَأَطيعوا أَمري) وهو لا أمر له إلا الحسي.
وكذلك: (فَكيفَ كانَ نَكير) حيث وقع لأن النكير يتعين من جهة الملكوت لا من جهة أثره المحسوس، فإن أثره قد انقضى، وأخبر الله عنه بالفعل الماضي. والنكير اسم ثابت في الأزمان كلها. ففيه التنبيه على أنه كما أخذ أولئك يأخذ غيرهم.
وكذلك: (إِنّي أَخافُ أَن يُكَذّبون) خاف موسى عليه السلام أن يكذبوه فيما جاءهم به من عند الله، وأن يكون سبب ذلك من قبله من جهة إفهامه لهم بالوحي، فإنه عليه السلام كان عالي البيان فإنه كليم الرحمان. فبلاغته لا تصل إليها أفهامهم، فيصير إفصاحه العلي عند فهمهم الدني عقدة عليهم في اللسان تحتاج إلى ترجمان يقول لينا ويفصح لهم بينا.
فإن يقع بعد ذلك تكذيب فيكون من عند أنفسهم ليس من قبل موسى فيه شيء. وبذلك تتم حجة الله عليهم.
وكذلك: (إِن كِدتَ لَتُردينَ) هو الإرداء الأخروي الملكوتي.
وكذلك: (أَن تَرجمون) ليس هو الرجم بالحجارة، إنما هو ما يرمونه به من بهتانهم وأباطيلهم التي هو منزه عنها.
وكذلك: (فَحَقَ وَعيد) هو الأخروي الملكوتي و (مَن يَخافُ وَعيد) هو الأخروي الملكوتي.
وكذلك: (فَيَقولُ رَبي أَكرَمَن)، (رَبي أَهانَن) هذا الإنسان يعتبر منزلته عند الله في الملكوت بما يبتليه به الله في الدنيا. وهذا من الإنسان خطأ، لأن الله يبتلي الصالح والطالح لتمام حجته على خلقة: (لِيُهلِكَ مَن هَلَكَ عَن بَينَة وَيَحيَ مَن حَيّ عَن بَينة).
والقسم الثاني من الضرب الأول: إذا كانت الياء لام الكلمة سواء كانت في الإسم أو في الفعل مثل: (أُجيبَ دَعوَةَ الداعِ إِذا دَعان) تنبيها على الداعي المخلص لله الذي قلبه ونهايته في دعائه في الملكوت والدار الآخرة لا في الدنيا.
وكذلك: (الداعِ إلى شَيءٍ نُكُر) هو دعاء ملكوتي من عالم الآخرة.
وكذلك: (يَوم يَأتِ لا تَكَلّمُ نَفسُ) هو إتيان ملكوتي في الآخرة، آخره متصل بما وراءه من الغيب.
وكذلك: المهتد هو الهدي الملكوتي المتصل بما وراءه وفوقه مما بطن عنه.
وكذلك: (وَالباد) حذف لأنه على غير حال الحاضر المشاهد. وقد جعله الله لهما سواء.
وكذلك: (كالجَواب) من حيث التشبيه فإنه ملكوتي إذ هو صفة نفسية لا ظهور لها في الإدراك الملكي.
وكذا (يَومَ التّلاق) و (المُناد) كلاهما ملكوتي أخروي.
وكذلك: (وَاللّيلِ إِذا يَسر) هو السري الملكوتي الذي يستدل عليه بآخره من جهة الإنقضاء و بمسير النجوم.
وكذلك: (الصّخرُ بالواد) يعتبر من جهة ملكوتية وهو اتصاله بما ذكر من جوب الصخر وبناء المباني وعمارته بهم لا من جهة كونه محسوسا ملكيا، فهو مثل (ذاتِ العِماد) في الاعتبار.
وكذلك (وَمِن آَياتِهِ الجَوارِ في البَحرِ كالأعلام) تعتبر من جهة هي آية يدل ملكها على ملكوتها. فآخرها في الإعتبار يتصل بالملكوت. ويدل عليه قوله تعالى: (إِن يَشَأ يُسكِن الريحَ فَيَظلَلنَ رَواكِدَ عَلى ظَهرِهِ).
وكذلك حذفت ياء الفعل من يحيى إذا انفرد وثبت في الضمير مثل: (مَن يُحيي العِظامَ وَهيَ رَميم قُل يُحيِيها) لأن حياة البواطن أظهر في العلم من حياة الظاهر وأقوى في الإدراك.
والضرب الثاني الذي تسقط فيه الياء في الخط والتلاوة فهو باعتبار غيبه عن باب الإدراك جملة واتصاله بالإسلام لله في مقام الإحسان.
وهذا الضرب قسمان أيضا: منه ضمير المتكلم ومنه لام الفعل.


الصفحة التالية
Icon