و الحاصل : أن ذلك يصدق على المتشابه الذي وردت به الآية و الأحاديث و الآثار، بل و لا يصدق عليه أن معانيه مشتبهة ؛ لأن الاشتباه فيه يزول بالتدبر، فالأب مثلا يعرف معناه بسؤال أهل اللغة، و النظر في القرائن، و هكذا، و ليس في القرآن شيء من ذلك يتوقف العلماء عن اتباعه و النظر ي تأويله، مع أن الجمهور يقولون في الآية بما قلناه، و هو : أن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله، و قد تقدم حديث الصحيحين، و نحن نعلم أن الصحابة عملوا بمقتضاه، و نعلم أنهم تكلموا في النوعين الأولين، واختلفوا في بعضها كثيرا، ثم رأوا من بعدهم يتبعون ذلك و يبتغون تأويله فلم ينكروا عليهم ذلك
فما بقي إلا النوع الثالث، فهو الذي لم يكن يؤوله النبي - ﷺ - لأصحابه، و لا كانوا يبتغون تأويله، و لا يختلفون فيه، و لما رأوا من يتبعه من بعدهم و يتكلم في تأويله حذروهم، و حذروهم، وحذروا الناس منهم.
فإن قلت : فإنكم تتكلمون في معنى ذلك فتقولون : لله - عز وجل - حياة تليق به، و يد تليق به، و تقولون : إن لوجوده و حياته و قدرته و علمه و حكمته مناسبة ما لهذه الصفات في المخلوق، و لذلك أمكننا تصورها إجمالا!
قلت : الآن حصحص الحق، و ارجع إلى معنى كلمة "تأويل" فقد قدمنا أن تأويل اللفظ قد يطلق على المعنى، وقد يطلق على نفس ذلك المعنى، و قد يطلق على الحقيقة المعبر عنها باللفظ.
و قلنا : إن قوله تعالى :﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾، فإذا قال قائل: ويل واد في جهنم، فقد أوله، و يطلق على قوله تأويل، و يطلق على نفس ذلك المعنى أنه تأويل، يقال : ما تأويل ﴿ ويل ﴾ ؟
فيقال : تأويله واد في جهنم، و يطلق على تلك الحقيقة – و هي عين ذلك الوادي – أنها تأويل. و لم نجد في القرآن مثالا للطلاقين الأولين، و فيه ثلاثة أمثلة جاءت على الإطلاق الثالث، كما ذكرنا هناك.
(١/٣٧)


الصفحة التالية
Icon