فأقول : أما الصفات التي ندركها إجمالا لمناسبة ما بينها و بين صفاتنا – مع العلم بأنها في حقه - عز وجل - كاملة كما يليق به، و في حقنا ناقصة كما يليق بنا، كالقدرة و العلم و نحوها – فلا إشكال في إنزالها في القرآن، إذ يقال : المقصود منه الإيمان بها مع العلم الإجمالي، و هو كاف في ذلك، وقد علمت أن من تلك الصفات ما يتوقف ثبوت الشريعة على العلم بها، ويتبعها صفات أخرى مثلها في إمكان العلم بها إجمالا، و في العلم بها تثبيت للشريعة و تأكيد للإيمان، و دونها صفات أخرى تذكر في القرآن في صدد تقرير معنى من المعاني لا يتوقف فهمها على العلم بكنهها، و لكن ذكرها معه يفيدها قوة لا تحصل بدونها، كقوله تعالى :﴿ قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديَّ ﴾. فأصل المقصود إظهار زيادة الإعتناء بآدم - عليه السلام - وتشريفه على ما سواه، و هذا المعنى معروف من الكلام، لا يتوقف على العلم بكنه اليدين، و لا نقول كما يقول بعضهم : هذا الكلام تمثيل لليد في إظهار العناية و التشريف ! و ليس هناك يدان، و إنما هو تخيل ! كما قالوه في قول الشاعر :
...... إذا أصبحت خذ الشمال ما لها
لا و الله ؛ لانقول ذلك، فإنه من الزيغ، بل نقول : إن لله - عز وجل - يديد خلق بهما آدم - عليه السلام -، و لكننا لا نعلم كنههما، و جهلنا بكنههما لا يمنع من فهم معنى الكلام، و لا يلزم منه إن ذكرها أنه لا فائدة له! بل له أعظم الفائدة كما علمت.
و مع هذا فلا نقول : إن فائدة ذكر الصفة مقصورة على ما ذكر، بل هناك فائدة أخرى، و هي الإبتلاء ؛ ﴿ ليستيقن الذين أوتوا الكتب و يزداد الذين ءامنوا إيمنا و لا يرتاب الذين أوتوا الكتب و المؤمنون و ليقول الذين في قلوبهم مرض و الكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا ﴾.
(١/٣٩)