و أما التدبر فقد أمرنا به مطلقا، و لا يتوقف فائدة التدبر على العلم بكنه اليدين مثلا، إذ لا يتوقف العلم بمعنى الكلام على ذلك، ألا ترى أنك إذا أخبرت الأكمه بأنك ترى ولده مقبلا فإنه يعلم معنى هذا الكلام تحقيقا، و إن كان لا يدري كنه الإبصار.
- الفصل الثاني -
في تأويل الإخبار عن الوقائع
أما الوقائع المتعلقة بالرب - عز وجل - من حيث تعلقها به من العقائد، فقد مر الكلام عليها.
و أما ما عدا ذلك ؛ فإن كان يتعلق بما لا نحس به و لا هو من جنس ما نحس به، فحكمه حكم العقائد، وذلك كالملائكة والجن، والأرواح، و الجنة و النار، و نحو ذلك، لا أن للملائكة مثلا صفات.... عليهم بالنظر إليها ؛ لأنهم من جنس ما نحس به، ككونهم موجودين مخلوقين مربوبين، فمن هذه الجهة يكون حكمهم كحكم غيرهم مما نحسبه، أو نحس بما هو من جنسه
و الوقائع المتعلقة بما نحس به أو هو من جنس ما نحس به هي موضوع هذا الفصل، فنقول :
يزعم كثير من الناس أن في الكتاب و السنة أخبارا عن أشياء من هذا القبيل، و العقل أو الحس أو الخبر المتواتر يدل على خلاف ذلك الخبر، فغالبهم يذهبون إلى تأويل تلك الأخبار بحملها على معان خلاف ظاهرها، ولكنها موافقة للمعقول أو المحسوس أو المتواتر، و حجة هؤلاء أنهم إذا تركوا تلك الأخبار على ظاهرها يلزم من ذلك في حق الله - عز وجل - و رسوله - ﷺ - الكذب أو الجهل ! و إذا كان من المعلوم امتناع ذلك ؛ يجعل الخصم هذا حجة على بطلان دين الإسلام !
و أقول : هذا القول قد أرعب غالب المسلمين، و زلزل قلوبهم، فخضعوا لوجوب التأويل، و لكن هذا لا يغنهم شيئا، فإن أهل الكفر والإلحاد قالوا : إن هذه التأويلات التي تبدونها خلاف ظاهر الكلام !
فإن قلت : إن الدليل العقلي، أو الحسي، أو التواتري قرينة تجعل ظاهر الكلام هو المعنى الذي حملناه عليه.
(١/٤٠)