قيل لكم : هذا الدليل لم يكن معلوما للمخاطبين، بل لم يكن معلوما لأحد من أهل الأرض حينئذ، و لا يكفي أن يقال : كان الله يعلمه، أو كان رسوله يعلمه ؛ فإن الاعتماد على قرينة يعلمها المتكلم، و يعلم أن المخاطبين لا يعلمونها لا يجوز و لا يخرج الكلام بذلك عن الكذب ؛ فظهر أن ما تبدونه من التأويل لا ينفي لزوم الكذب أو الجهل في قرآنكم و نبيكم !!
لعل أكثر الناس ينكر علي تقرير هذا المعنى ؛ فأقول له :
اعلم أن الكفار و الملحدين يقررون ذلك، و يسيطرون به على علماء المسلمين فضلا عن غيرهم، و لا سيما الشباب الذين سيقوا إلى أن يكونوا في مدارس معلموها من هؤلاء الملحدين أو الكفار.
و الدين الحق إنما يقر تقرير الشبه لإزالتها، وإنما يحظر على العلم أن يثير شبهة لا يزال أهل الكفر و الضلال غافلين عنها، فأما مثل هذه الشبهة – مما قد أثاروه و أضلوا به – فلا بد للعالم من ذكره و إقامة البرهان بما يزيله
المبحث الأول
حل شبهة
اعلم أن عامة شبهات الكفار و الملحدين في هذا العصر تدور على هذه الشبة، فيجب الاعتناء بحلها و إيضاح الحق، و أسأل الله - عز وجل - التوفيق و الهداية، لعله يطلع على هذا ملحد فيقول : إن هذا الكاتب و أمثاله مقلدون متعصبون، ليس لهم من حرية الفكر نصيب، يرد عليهم البرهان الذي يدمغ دينهم فيفرون إلى المعاذير ! و كان عليهم أن يتدبروا ذلك البرهان و يعترفوا بمقتضاه، هذا مقتضى الحرية و الشجاعة الأدبية و طلب الحق من حيث هو حق، فهم يزعمون أنهم يتبعون الحق، ويدعون إلى الحق، و هم أبعد الناس منه !!
فأقول له : أنت تعلم أن لثبوت الحقائق طرقا مختلفة، فلمعرفة أن فلانا حاضر مثلا قد تحصل بواسطة الإبصار، وبواسطة سمع كلامه، وبواسطة أخبار متواترة، و غير ذلك، و الإدراك بواسطة البصر لا يحصل للأعمى، و بواسطة سماع كلامه لا يحصل للأصم، و قس على ذلك.
(١/٤١)
......