و قد يحصل الإدراك اليقيني لحقيقة بطريق صحيح، و إذا نظرت من طريق أخرى وجدت شبهات تنفي تلك الحقيقة، فأما من حصل له الإدراك بذلك الطريق الصحيح فإنه – إذا عرضت عليه تلك الشبهات – لا يلتفت إليها، ولا يبالي بها، إلا أنه إّذا عجز عن إطلاع المعترض على ذاك الطريق الصحيح فقد يحاول حل تلك الشبهات، و ربما يعجز عن حلها، وهو مع ذلك غير متزلزل فيما قد تيقنه، بل هو مؤمن أن لتلك الشبهات حلا لم يتيسر له، و من شككته الشبهات فيما قد علمه يقينا يعد عند العقلاء أحمق !
...... فمن ذلك قول علماء الطبيعة : إن تقرير كيفية الإبصار يقتضي أن ترى الصور معكوسة، وهو خلاف المشاهد، فيا ترى من يشاهد الصور – ويعلم أنه يشاهدها مستقيمة – إذا عرضت عليه تلك الشبهة هل يتزلزل عما يشاهده من أنه يرى الصور مستقيمة ؟!
...... و في الفلسفة الحسية العصرية أمثلة كثيرة من هذا.
...... فهكذا نحن قد قام عندنا البراهين ما تيقنا به أن القرآن كلام الله، و أن محمد - ﷺ - رسول الله، فهذا اليقين هو الذي جعلنا نبادر إلى رد الشبهات، و بها حصل لنا ذلك اليقين، و هي تحتاج إلى ممارسة و عناية، فلا يمكننا أن نحصلها لمن لم تحصل له في مقالة أو رسالة، فلذلك نحتاج إلى حل الشبهات.
...... و المقصود تقرير عذرنا، و دفع تهمة التقليد و التعصب عنا، على أننا لا ندعي أننا نستطيع حل جميع الشبهات حلا يقنع الخصم، و لكننا ندعي أننا نستطيع حل جميع الشبهات حلا يقنع الخصم، و لكننا ندعي أنه لو سلك الطرق التي سلكناها، و تحرى إصابة الحق، و تخلى عن التقليد و التعصب لوصل إلى ما وصلنا إليه، و لعلم أن تلك الشبهات التي أثارها أولا باطلة، سواء أعلم وجه حلها أم لا.
(١/٤٢)
......


الصفحة التالية
Icon