فمثلنا و مثل الخصم مثل رجل قال لآخر : إن الأرض تدور، فعارضه ذاك بأنها لو كانت تدور لتساقطت الأجرام التي عليها، و كان كذا و كذا ! و لنفرض أن المخبر قد كان وقف على الدلائل التي تثبت دوران الأرض، و لم يقف على جواب الشبهة، فإنه يقول للخصم : تعال معي و انظر و تفكر لتقف على ما وقت عليه، فأبى هذا مصرا على الإنكار بحجة أنها لو كانت تدور لكان كذا و كذا ! أفلا يكون من واجب المعترض إذا كان طالبا للحق أن يجيب الأول بما يدعوه إليه من النظر، و إن كان في ذلك مشقة و تعب ؟
...... و بعد هذا التمهيد نشرع في حل الشبهة :
المبحث الثاني
أقوال العلماء
رأيت كتابا لبعض الفضلاء يكذب صاحبه أهل الطبيعة و الفلك والجغرافية و غيرها في كل ما يقولونه مما يراه المؤلف الكتاب مخالفا لظاهر القرآن أو السنة، و في كلامه مؤاخذات :
... منها دعواه في مواضع ظهور دلالة القرآن، وليس كذلك، ومنها في السنة كذلك، و منها الإستناد إلى أحاديث غير ثابتة، و غير ذلك. وغالب العلماء يذهبون إلى هذا التأويل كما قدمنا، و فيه ما عرفت من الإشكال.
... و سمعت بعض العلماء يقول : إن القرآن لم ينزل لتعلم الطبيعة والفلك و التاريخ و التشريح و الطب و نحو ذلك من العلوم الكونية، وإنما نزل لبيان الدين عقائد و أحكاما، و إنما يذكر بعض ما يتعلق بالطبيعة و الفلك و التاريخ و نحوها لمغزى ديني، كالتنبيه على آيات الله و آلائه، و التذكير بالعبر و المثلات، هكذا السنة، فالأنبياء إنما بعثوا لتعليم الدين
... و مقصود هذا العالم – على ما فهمته – أنه لا يصح الإستناد إلى ظاهر آية من القرآن أو حديث من السنة في تقرير أمر من تلك العلوم الكونية، كما هو بالنسبة إلى غالب الناس غيب.
(١/٤٣)
...


الصفحة التالية
Icon