١٥٤١- أفْتَى تِلاَدِي وَمَا جَمَّعْتُ مِنْ نَشَبٍ قَرْعُ الْقَوَاقِيزِ أفْوَاهُ الأبَارِيقِ
يروى بنصب « أفواه » على إضافة المصدر - وهو « قَرْع » - إلى فاعله، وبالرفع على إضافته إلى مفعوله. وقد جوَّزَ، بعضُهم في الكلام على ضَعْفٍ، والقرآن لا يُحْمَل على ما في الضرورة، ولا على ما فيه ضعف، أمَّا من حيث المعنى؛ فلأنه يؤدي إلى تكليف الناس جميعهم - مستطيعهم وغير مستطيعهم - بأن يحج مستطيعهم، فيلزم من ذلك تكليف غير المُسْتَطِيعِ بأن يَحُجَّ، وهو غير جائز - وقد التزم بعضُهم هذا، وقال : نعم، نقول بموجبه، وأن الله - تعالى - كلَّف الناسَ ذلك، حتى لو لم يحج المستطيعون لزم غير المستطيعين أن يأمروهم بالحج حسب الإمكان؛ لأن إحجاج الناس إلى الكعبة وعرفة فرضٌ واجب. و « مَنْ » - على هذه الأوجه الخمسة - موصولة بمعنى : الذي.
السادس : أنها شرطية، والجزاء محذوف، يدل عليه ما تقدم، أو هو نفس المتقدم - على رأي - ولا بد من ضمير يعود من جملة الشرط على « النَّاسِ »، تقديره : من استطاع منهم إليه سبيلاً فلله عليه.
ويترجح هذا بمقابلته بالشرط بعده، وهو قوله :﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين ﴾.
وقوله :﴿ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت ﴾ جملة من مبتدأ - وهو ﴿ حِجُّ البيت ﴾ - وخبر - وهو قوله :« لله » - و « عَلَى النَّاسِ » متعلق بما تعلق به الخبر، أو متعلق بمحذوف؛ على أنه حال من الضمير المستكن في الجار، والعامل فيه - أيضاً - ذلك الاستقرار المحذوف، ويجوز أن يكون على الناس هو الخبر، و « للهِ » متعلق بما تعلق به الخبر، ويمتنع فيه أن يكون حالاً من الضمير في « عَلَى النَّاسِ » وَإنْ كان العكس جائزاً - كما تقدم-.
والفرق أنه يلزم هنا تقديم الحال على العامل المعنوي، والحال لا يتقدم على العامل المعنوي - بخلاف الظرف وحرف الجر، فإنهما يتقدمان على عاملهما المعنوي؛ للاتساع فيهما، وقد تقدم أن الشيخ جمال الدين بن مالك، يجوز تقديمها على العامل المعنوي - إذا كانت هي ظرفاً، أو حرف جر، والعامل كذلك، ومسألتنا في الآية الكريمة من هذا القبيل. وقد جيء في هذه الآيات بمبالغاتٍ كثيرة.
منها قوله :﴿ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت ﴾ يعني : أنه حق واجب عليهم لله في رقابهم، لا ينفكون عن أدائه والخروج عن عُهدته.
ومنها : أنه ذكر « النَّاسَ »، ثم أبدل منهم ﴿ مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾، وفيه ضربان من التأكيد.


الصفحة التالية
Icon