فصل
اختلفوا في كَيْفِيَّة ظُهُور الإنَاء، فَرَوَى سَعِيدُ بن جُبَيْرٍ عن ابن عبَّاسٍ : أنه وُجِدَ بمَكَّةَ، فقالوا : إنَّا اشْتَرَيْنَاه من تَمِيمٍ وعَدِيٍّ، وقيل : لما طَالَتِ المُدَّةُ أظهرُوهُ، فبلغ ذلك بني سَهْمٍ فَطَلَبُوهُمَا، فقالا : إنَّا كنا قد اشْتَرَيْنَاه منه، فقالُوا : ألم نَقُل لكم هَلْ بَاعَ صَاحِبُنَا شيئاً من مَتاعِهِ، فَقُلْتُمَا : لا، قالا : لم يَكُنْ عندنا بيِّنةٌ، فكرهنا أن نُقِرَّ لَكُم بِهِ، فكَتَمْنَا لذلك، فرفَعُوهُمَا إلى رسُول الله ﷺ، فأنزل اللَّهُ - عزَّ وجلَّ - :﴿ فَإِنْ عُثِرَ على أَنَّهُمَا استحقآ إِثْماً فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا ﴾ الآية، فقام عَمْرُو بنُ العَاصِ والمطَّلِبُ بن أبي وَداعة السَّهْمِيَّان، فحلفا باللَّهِ بعد العَصْرِ، فَرَفَع رسولُ الله ﷺ الإنَاءَ لَهُما، وإلى أوْلِيَاء الميِّتِ، فكان تَمِيمٌ الداري يقول بعدما أسْلَمَ : صدقَ اللَّهُ ورسُولُه أنا أخَذْتُ فأنَا أتُوبُ إلى اللَّه تعالى.
وعن ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما - أنَّهُ بقيت تلك الوَاقِعَةُ مَخْفِيَّةً إلى أن أسْلَمَ تَمِيمٌ الدَّاري، فلما أسْلَمَ أخْبَرَ بذلك، فقال : حَلَفْتُ كاذباً أنا وصَاحِبِي، بعْنَا الإنَاءَ بألفٍ وقَسَّمْنَا الثَّمنَ، ثمَّ دَفَعَ خمسمائة دِرْهَم من نفسه، ونزعَ من صاحبه خمسمائةً أخرى، ودفع الألْفَ إلى مَوَالِي الميِّت، فكذلك قوله :﴿ ذلك أدنى أَن يَأْتُواْ بالشهادة على وَجْهِهَآ ﴾، أي : ذلك الذي حَكَمْنَا به من رَدِّ اليَمينِ، أجدر وأحْرَى أن يَأتِي الوَصِيَّان بالشَّهَادَة على وجهها، وأدْنَى معناه : أقْرَبُ إلى الإتيان بالشَّهَادَة على ما كانت ﴿ أَوْ يخافوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ أي : أقْرَبُ إلى أن يَخَافُوا رَدَّ اليمينِ بعد يَمينهمْ على المُدَّعِي، فيحلفوا على خِيَانَتِهِم وكذبهم، فَيَفْتَضِحُوا ويغرمُوا، فلا يَحْلِفُون كَاذِبين إذا خَافُوا هذا الحُكْمَ، « واتَّقُوا اللَّهَ » : أنْ تَحْلِفُوا أيْماناً كَاذِبَةً، أو تَخُونُوا أمَانَةً، « واسْمَعُوا » : الموعظة، ﴿ والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين ﴾، وهذا تَهْديدٌ ووعيدٌ لِمنْ يُخَالِفُ حُكْم اللَّهِ وأوَامِرِهِ.
روى الواحدي - رحمه الله - في « البَسِيطِ »، عن عُمَر بن الخطَّابِ - رضي الله عنه - أنَّهُ قال : هذه الآية أعْضَلُ ما في هذه السُّورَةِ من الأحْكَامِ. ولنَرْجِع إلى إعرابِ بقيَّة الآيَة.
قوله « ذلك أدْنَى » لا محلَّ لهذه الجملةِ؛ لاستئنافِها، والمشارُ إليه الحكمُ السابقُ بتفصيله، أي : ما تقدَّم ذكرُه من الأحْكَامِ أقربُ إلى حصولِ إقامةِ الشَّهادة على ما ينبغي، وقيل : المشارُ إليه الحَبْسُ بعد الصلاة، وقيل : تحليفُ الشاهدين، و « أنْ يَأتُوا » أصلُه :« إلى أنْ يأتُوا »، وقدَّره أبو البقاء ب « مِنْ » أيضاً، أي : أدْنَى من أن يأتُوا، وقدَّره مكيٌّ بالباء، أي : بِأنْ يَأتُوا، قال شهاب الدين : وليْسَا بواضحَيْنِ، ثم حذفَ حرفَ الجر، فَنَشَأ الخلافُ المشهور، و « عَلَى وَجْهِهَا » متعلِّقٌ ب « يَأتُوا »، وقيل : في محلِّ نَصْبٍ على الحال منها، وقدَّره أبو البقاء ب « محققة وصَحِيحَة »، وهو تفسيرُ معنًى؛ لما عرفْتَ غير مرة من أنَّ الأكوانَ المقيَّدة لا تُقَدَّر في مثله.