الثاني : المعنى : اجعلوا بيوتكم متقابلة، والمراد منه : حصول الجمعيَّة، واعتضاد البعض بالبعض.
واختلفوا في هذه القبلة أين كانت؟ ظاهر القرآن لا يدلُّ على تعيينها، وروي عن ابن عبَّاس : كانت الكعبةُ قبلةَ مُوسى، وكان الحسن يقول : الكعبة قبلةَ كلِّ الأنبياء،
وإنما وقع العُدُول عنها بأمر الله - تعالى - في أيَّام الرسُول - ﷺ - بعد الهجرة. وقال آخرون : كانت القبلة : بيت المقدس.
فصل
ذكر المُفَسِّرُون في كيفية هذه الواقعة وجوهاً :
أحدها : أن موسى ومن معه كانوا مأمورين في أول أمرهم، بأن يُصَلُّوا في بيوتهم خُفيةً من الكُفَّار؛ لئلا يظهروا عليهم، فيُؤذُوهُم، ويفتنوهُم عن دينهم، كما كان المؤمنون في أول الإسلام بمكة.
قال مجاهد : خاف موسى ومن معه من فرعون أن يصلُّوا في الكنائس الجامعة، فأمروا أن يجعلوا في بيوتهم مساجد جهة الكعبة، يُصَلُّون فيها سرّاً.
وثانيها : أنَّه لمَّا أرْسِلَ مُوسى إلى فرعون، أمر فرعون بتخريب مساجد بني إسرائيل، ومنعهم من الصلاة، فأمرهُم الله - تعالى - باتِّخاذِ المساجد في بيوتهم، رواه عكرمة، عن ابن عبَّاس. وهو قول إبراهيم.
وثالثها : أنَّه تعالى لمَّا أرسل مُوسى إليهم، وأظهر فرعون لهم العداوة الشديدة، أمر الله - تعالى - موسى، وهارون، وقومهما باتِّخاذِ المساجد على رغم الأعداء، وتكفَّل الله بصونهم عن شرِّ الأعداءِ.
قوله تعالى :﴿ وَقَالَ موسى رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً ﴾ الآية.
لمَّا بالغ موسى في إظهار المعجزات، ورأى القوم مُصرِّينَ على الجُحُود والعنادِ؛ دعا عليهم، ومن حقِّ من يدعُو على الغير أن يذكُر سبب جرمه، وجرمهم : كان حُبَّ الدنيا؛ فلأجله تركوا الدِّين؛ فلهذا قال - ﷺ - :﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الحياة الدنيا ﴾ والزينة : عبارة عن الصحَّة، والجمال، واللباس، والدوابِّ، وأثاث البيت، والمال ما يزيد على هذه الأشياء من الصَّامت، والنَّاطق، وقرأ الفضل الرَّقاشي « أئنَّكَ آتيْتَ ».
قوله :« ليُضِلُّوا » في هذه اللاَّم ثلاثة أوجهٍ :
أحدها : أنَّها لامُ العلَّة، والمعنى : أنَّك آتيتهُم ما آتَيْتَهم على سبيل الاستدراج، فكان الإيتاءُ لهذه العلة.
والثاني : أنَّها لامُ الصَّيرورةِ والعاقبة؛ كقوله :﴿ فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ [ القصص : ٨ ]، وقوله :[ الوافر ]
٢٩٢٨- لِدُوا للمَوْتِ وابنُوا لِلْخَرَابِ | ........................ |
٢٩٢٩- ولِلْمَوْتِ تَغْذُو الولِدَاتُ سِخالَهَا | كمَا لِخرابِ الدُّور تُبْنَى المسَاكِنُ |
٢٩٣٠- ولِلْمنَايَا تُرَبِّي كُلُّ مرضِعَةٍ | ولِلْخَرابِ يُجِدُّ النَّاسُ عُمْرَانَا |