فإن قيل: الآية تدلّ على وجوب مجاهدة المنافقين وهو غير جائز فإن المنافق كما مرّ من يستر كفره ويقرّ بلسانه ومن كان كذلك لم تجز محاربته ومجاهدته أجيب: بأن ليس في الآية ما يدلّ على أن ذلك الجهاد بالسيف أو باللسان أو بطريق آخر وإنما تدلّ على وجوب الجهاد مع الفريقين وكيفية تلك المجاهدة إنما تعرف من دليل آخر وقد دلت الدلائل المفصلة على أن المجاهدة مع الكفار يجب أن تكون بالسيف ومع المنافقين بالحجة والبرهان وحمل الحسن جهاد المنافقين على إقامة الحدود عليهم إذا تعاطوا أسبابها.
قال القاضي: وهذا ليس بشيء لأنّ إقامة الحدود واجبة على من ليس بمنافق فلا يكون لها تعلق بالنفاق. ولما كان ﷺ مطبوعاً على الرفق وحسن الخلق قال تعالى: ﴿واغلظ عليهم﴾ أي: بالانتهار والمقت في الجهادين لا تعاملهم بمثل ما عاملتهم به من اللين عند استئذانهم في القعود وهذا بخلاف ما مضى في وعيد المنافقين حيث قدمهم فقال: ﴿المنافقون والمنافقات﴾ فقدم في كل سياق الأليق به ﴿ومأواهم﴾ أي: مسكنهم في الآخرة ﴿جهنم وبئس المصير﴾ أي: المرجع هي.
﴿يحلفون﴾ أي: المنافقون ﴿با ما قالوا﴾ أي: ما بلغك عنهم من السب والمفسرون ذكروا في أسباب نزول هذه الآية وجوهاً.
الأوّل: روي أنه عليه الصلاة والسلام أقام في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن ويعيب المتخلفين فقال الجلاس بن سويد: لئن كان ما يقول محمد في إخواننا الذين خلفناهم بالمدينة حقاً لنحن شرّ من الحمير، فقال عامر بن قيس الأنصاريّ للجلاس: أجل والله إنّ محمداً صادق وأنت شرّ من الحمار، فبلغ رسول الله ﷺ فاستحضره فحلف بالله عز وجل ما قاله فرفع عامر يده وقال: اللهم أنزل على عبدك ونبيك تصديق الصادق وتكذيب الكاذب فنزلت فقال الجلاس: لقد ذكر الله تعالى التوبة في هذه الآية ولقد قلت هذا الكلام وصدق عامر ثم تاب وحسنت توبته.
(١٦/٢٠٢)
---


الصفحة التالية
Icon