تنبيه: تمسك بعضهم بقوله تعالى: وعصى آدم ربه فغوى في صدور الكبيرة عنه من وجهين؛ الأول: أن العاصي اسم للذم، فلا ينطلق إلا على صاحب الكبيرة لقوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالداً فيها﴾ (الجن، ٢٣)، ولا معنى لصاحب الكبيرة إلا من فعل فعلاً يعاقب عليه، الثاني: أن الغواية والضلالة اسمان مترادفان، والغي ضد الرشاد، ومثل هذا لا يتناول إلا الفاسق المنهمك في فسقه، وأجيب: بأن المعصية مخالفة الأمر، والأمر قد يكون بالواجب وقد يكون بالمندوب، فإنك تقول: أمرته فعصاني، وأمرته بشرب الدواء فعصاني، وإذا كان كذلك لم يمتنع إطلاق اسم العصيان على آدم بكونه للمندوب، وإن كان وصف تارك المندوب بأنه عاص مجاز، وأجاب أبو مسلم الأصبهاني بأنه عصى في مصالح الدنيا لا فيما يتصل بالتكاليف، وكذا القول في غوى؛ قال الرازي: والأولى عندي في هذا الباب أن يقال: هذه الواقعة كانت قبل النبوَّة، وقد تقدم شرح ذلك في البقرة، وقيل: بل أكل من الشجرة متأولاً، وهو لا يعلم أنَّ الشجرة التي نهى الله عنها شجرة مخصوصة لا على الجنس، ولهذا قيل: إنما كانت التوبة من ترك التحفظ لا من المخالفة، فهو كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين أي: يرونها بالإضافة إلى علو أحوالهم كالسيئات
﴿ثم اجتباه ربه﴾ أي: اختاره واصطفاه ﴿فتاب عليه﴾ أي: قبل توبته، وأعاد عليه بالعفو والمغفرة ﴿وهدى﴾ أي: هداه لرشده حتى رجع إلى الندم والاستغفار، ولما كانت دار الملوك لا تحتمل مثل ذلك وإن كان قد هيأه بالاجتباء لها قال على طريق الاستئناف.
(٥/٣٢١)
---