فقال أيوب: ﴿أني﴾ قد ﴿مسّني الضّرّ﴾ بتسليطك الشيطان عليَّ في بدني وأهلي ومالي، وقد طمع الآن في ديني وذلك أنه زين لامرأة أيوب أن تأمره أن يذبح لصنم فإنه يبرأ ثم يتوب، ففطن لذلك، وحلف ليضربنها إن برأ مائة جلدة، وقال وهب: لبث أيوب في البلاء ثلاث سنين، وروي عن أنس يرفعه «أنّ أيوب لبث ببلائه ثمان عشرة سنة»، وقال كعب سبع سنين، وقال الحسن: مكث أيوب مطروحاً على كناسة لبني إسرائيل سبع سنين وشهراً يختلفون في الدواء ولا يقربه أحد غير امرأته رحمة صبرت معه تحمد الله معه إذا حمد وأيوب مع ذلك لا يفتر عن ذكر الله تعالى والصبر على بلائه، فلما غلب أيوب إبليس ولم يستطع منه شيئاً اعترض امرأته في هيئة ليست كهيئة بني آدم في العظم والجسم والجمال على مركب ليس من مراكب الناس له عظم وبهاء وكمال، فقال لها: أنت صاحبة أيوب هذا الرجل المبتلى؛ قالت: نعم، قال: هل تعرفيني قالت: لا فقال لها أنا إله الأرض، وأنا الذي صنعت بصاحبك لأنه أطاع إله السماء، وتركني فأغضبني، ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليه وعليك كل ما كان من مال وولد، وأراها إياهم ببطن الوادي الذي لقيها فيه؛ قال وهب: وقد سمعت أنه إنما قال لها: لو أن صاحبك أكل طعاماً ولم يسم عليه لعوفي مما به من البلاء، وفي بعض الكتب أن إبليس قال لها: اسجدي لي سجدة حتى أرد عليك المال والأولاد وأعافي زوجك فرجعت إلى أيوب فأخبرته بما قال لها، وما أراها قال: لقد أتاك عدوّ الله ليفتنك عن دينك، ثم أقسم أن الله عافاه ليضربنها مائة جلدة، وعند ذلك قال: مسني الضرّ من طمع إبليس في سجود حرمتي ودعائه إياها وإياي إلى الكفر ﴿وأنت﴾ أي: والحال أنت ﴿أرحم الراحمين﴾ فافعل بي ما يفعل الرحمن بالمضرور، وهذا تعريض بسؤال الرحمة حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة، ولم يصرّح فكان ذلك ألطف في السؤال، فهو أجدر بالنوال.
(٥/٤٠٠)
---


الصفحة التالية
Icon