فإن قيل: كيف شبه به وقد وجد هو من غير أب وآدم بغير أب وأم؟ أجيب: بأنّ مثله في أحد الطرفين ولا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيه به؛ لأنّ المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف، ولأنه شبه به في أنه وجد وجوداً خارجاً عن العادة المستمرة وهما في ذلك نظيران، ولأنّ الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود من غير أب، فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه. وعن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم: لم تعبدون عيسى؟ قالوا: لأنه لا أب له قال: فآدم أولى؛ لأنه لا أبوين له قالوا: كان يحيي الموتى قال فخر قيل أولى؛ لأنّ عيسى أحيا أربعة أنفس؟ قيل ثمانية آلاف فقالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص قال: فجرجيس أولى؛ لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالماً. ومعنى خلق آدم من تراب أي: صوّر جسده من تراب ﴿ثم قال له كن﴾ أي: أنشأه بشراً بأن نفخ فيه الروح كقوله تعالى: ﴿ثم أنشأناه خلقاً آخر﴾ (المؤمنون، ١٤) وقوله تعالى: ﴿فيكون﴾ حكاية حال ماضية أي: فكان وكذلك عيسى قال له: كن من غير أب فكان ويجوز أن تكون ثم لتراخي الخبر لا لتراخي المخبر عنه وقوله تعالى:
﴿الحق من ربك﴾ خبر مبتدأ محذوف أي: أمر عيسى وقوله تعالى: ﴿فلا تكن من الممترين﴾ أي: الشاكين خطاب للنبيّ ﷺ والمراد غيره فحاشا رسول الله ﷺ أن يكون ممترياً.
(٢/٣٢)
---