﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿آمنا با وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط﴾ أي: أولاده ﴿وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرّق بين أحد منهم﴾ بالتصديق والتكذيب أمر رسول الله ﷺ أن يخبر عن نفسه وعمن تبعه بالإيمان، فلذلك وحد الضمير في قل وجمعه في آمنا وعلينا؛ لأن القرآن كما هو منزل عليه منزل على متابعيه بتوسط تبليغه إليهم أو بأن يتكلم عن نفسه بالجمع على طريقة الملوك إجلالاً له.
(٢/٥٤)
---
فإن قيل: لم عدي أنزل في هذه الآية بعلى وفيما تقدّم من مثلها في سورة البقرة بإلى؟ أجيب: بأن الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسل فعدي تارة بإلى؛ لأنه ينتهي إلى الرسل وتارة بعلى؛ لأنه من فوق وما قيل: من أنه إنما خص ما هنا بعلى وما هناك بإلى؛ لأن ما هنا خطاب للنبيّ وكان واصلاً إليه من الملأ الأعلى بلا واسطة بشرية فناسب الإتيان بعلى المختصة بالعلوّ، وما هناك خطاب للأمّة وقد وصل إليهم بواسطة النبيّ الذي هو من البشر فناسب الإتيان بإلى المختصة بالإتصال. قال الزمخشري: فيه تعسف ألا ترى إلى قوله: ﴿بما أنزل إليك﴾ و﴿أنزلنا إليك الكتاب﴾ (النساء، ١٠٥) وإلى قوله تعالى: ﴿آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا﴾ (آل عمران، ٧٢).
فإن قيل: لم قدم المنزل عليه على المنزل على سائر الرسل؟ أجيب: بأنه إنما قدم؛ لأن المنزل عليه هو المعرّف للمنزل على سائر الرسل، ولأنه أفضل الكتب المنزلة ﴿ونحن له مسلمون﴾ أي: موحدون مخلصون له في العبادة لا نجعل له شريكاً فيها. ونزل فيمن ارتدّ ولحق بالكفار وهم اثنا عشر رجلاً ارتدّوا عن الإسلام وخرجوا من المدينة وأتوا مكة كفاراً منهم الحارث بن سويد الأنصاري.