ولما مر شاس بن قيس اليهوديّ ـ وكان شيخاً عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين شديد الحسد لهم ـ على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مسجد لهم يتحدّثون فغاظه ذلك حيث تألفوا واجتمعوا بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة وقال: ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار، فأمر شاباً من اليهود أن يجلس إليهم ويذكرهم يوم بعاث ـ وهو موضع بالمدينة وينشدهم بعض ما قيل فيه من الأشعار وكان يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس ـ ففعل فتنازع القوم عند ذلك وتفاخروا وتغاضبوا وقالوا: السلاح السلاح فبلغ ذلك النبيّ ﷺ فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار فقال: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ كرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف به بينكم؟» فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوّهم فألقوا السلاح وبكوا وعانق بعضهم بعضاً ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ سامعين مطيعين» نزل.
﴿يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب﴾ أي: شاساً وأصحابه ﴿يردوكم بعد إيمانكم كافرين﴾ قال جابر: ما رأيت يوماً قط أقبح أوّلاً وأحسن آخراً مثل ذلك اليوم، ثم قال الله تعالى على وجه التعجب والتوبيخ.
(٢/٦٩)
---