فَبَيَّنَ إِذًا أَنَّ أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ وَأَحَقَّ التَّأْوِيلَيْنِ بِالْكِتَابِ : قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ :(مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ )، بِمَعْنَى إِخْلاَصِ الْمُلْكِ لَهُ يَوْمَ الدِّينِ، دُونَ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ :﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بِمَعْنَى : أَنَّهُ يَمْلِكُ الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ وَفَصْلَ الْقَضَاءِ مُتَفَرِّدًا بِهِ دُونَ سَائِرِ خَلْقِهِ.
فَإِنْ ظَنَّ ظَانٍ أَنَّ قَوْلَهُ :﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ نَبَأٌ عَنْ مِلْكِهِ إِيَّاهُمْ فِي الدُّنْيَا دُونَ الآخِرَةِ فوجِبُ وَصَل ذلك بِالنَّبَأِ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ من قَدْ مَلَكَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَلَى نَحْوِ مِلْكِهِ إِيَّاهُمْ فِي الدُّنْيَا بِقَوْلِهِ :﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فَقَدْ أَغْفَلَ وَظَنَّ خَطَأً ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ جَازَ لِظَانٍ أَنْ يَظُنَّ أَنَّ قَوْلَهُ :﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ مَحْصُورٌ مَعْنَاهُ عَلَى الْخَبَرِ عَنْ رُبُوبِيَّتةِ عَالَمِ الدُّنْيَا دُونَ عَالَمِ الآخِرَةِ مَعَ عَدَمِ الدَّلاَلَةِ عَلَى أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ، أَوْ فِي خَبَرٍ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ مَنْقُولٌ، أَوْ بِحُجَّةٍ مَوْجُودَةٍ فِي الْمَعْقُولِ، جَازَ لِآخَرَ أَنْ يَظُنَّ أَنَّ ذَلِكَ مَحْصُورٌ عَلَى عَالَمِ الزَّمَانِ الَّذِي فِيهِ نَزَلَ قَوْلُهُ :﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ دُونَ سَائِرِ مَا يَحْدُثُ بَعْدَهُ فِي الأَزْمِنَةِ الْحَادِثَةِ مِنَ الْعَالَمِينَ، إِذْ كَانَ صَحِيحًا بِمَا قَدَّمْنَا مِنَ الْبَيَانِ أَنَّ عَالَمَ كُلِّ زَمَانٍ غَيْرُ عَالَمِ الزَّمَانِ الَّذِي بَعْدَهُ.