فَإِنْ غَبِيَ عَنْ عِلْمِ صِحَّةِ ذَلِكَ بِمَا قَدْ قَدَّمْنَا ذُو غَبَاءٍ، فَإِنَّ فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ دَلاَلَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ عَالَمَ كُلِّ زَمَانٍ غَيْرُ عَالَمِ الزَّمَانِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ وَعَالَمَ الزَّمَانِ الَّذِي بَعْدَهُ. إِذْ كَانَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ فَضَّلَ أُمَّةَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَائِرِ الأُمَمِ الْخَالِيَةِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ :﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآيَةَ. فَمَعْلُومٌ بِذَلِكَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي عَصْرِ نَبِيِّنَا، لَمْ يَكُونُوا مَعَ تَكْذِيبِهِمْ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلَ الْعَالَمِينِ، بَلْ كَانَ أَفْضَلَ الْعَالَمِينَ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ وَبَعْدَهُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ الْمُتَّبِعُونَ مِنْهَاجَهُ، دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ الضَّالَّةِ عَنْ مِنْهَاجِهِ.
وَإِذْ كَانَ بَيِّنًا فَسَادُ تَأْوِيلِ مُتَأَوِّلٍ لَوْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ :﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ : أَنَّ اللَّهَ رَبُّ عَالَمَيْ زَمَنِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ عَالَمَيْ سَائِرِ الأَزْمِنَةِ غَيْرِهِ، كَانَ وَاضِحًا فَسَادُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنْ تَأْوِيلَهُ : رَبِّ عَالَمِ الدُّنْيَا دُونَ عَالَمِ الآخِرَةِ، وَأَنَّ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ اسْتَحَقَّ الْوَصْلَ بِهِ لِيُعْلِمَ أَنَّهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ مُلْكُهُمْ وَرُبُوبِيَّتِهِمْ بِمِثْلِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا.
وَيَسْأَلُ زَاعِمُ ذَلِكَ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُتْحَكِّمٍ مِثْلِهِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ :﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تَحَكَّمَ، فَقَالَ : أَنَّهُ إِنَّمَا عُنِيَ بِذَلِكَ أَنَّهُ رَبُّ عَالَمَيْ زَمَانِ مُحَمَّدٍ دُونَ عَالَمَيْ غَيْرِهِ مِنَ الأَزْمَانِ الْمَاضِيَةِ قَبْلَهُ وَالْحَادِثَةِ بَعْدَهُ، كَالَّذِي زَعَمَ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ عَنَى بِهِ عَالَمى الدُّنْيَا دُونَ عَالَمِى الآخِرَةِ مِنْ أَصْلٍ أَوْ دَلاَلَةٍ. فَلَنْ يَقُولَ فِي أَحَدِهِمَا شَيْئًا إِلاَّ أُلْزِمَ فِي الآخَرِ مِثْلَهُ.