وَإِنَّمَا أَوْرَطَهُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ بِنَصْبِ الْكَافِ مِنْ (مَالِكَ ) عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْتُ حِيرَتُهُ فِي تَوْجِيهِ قَوْلِهِ :﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وِجْهَتَهُ مَعَ جَرِّه :﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وَخَفْضِهِ، فظَنَّ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ مَعْنَى ذَلِكَ بَعْدَ جَرِّهِ :﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فَنَصَبَ :﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ لِيَكُونَ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لَهُ خِطَابًا، كَأَنَّهُ أَرَادَ : يَا مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. وَلَوْ كَانَ عَلِمَ تَأْوِيلَ أَوَّلِ السُّورَةِ وَأَنَّ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ عَبْدَهُ بِقِيلِ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنَ الْخَبَرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنِ اللَّهِ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ :﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وَقُلْ أَيْضًا يَا مُحَمَّدُ :﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وَكَانَ عَقَلَ عَنِ الْعَرَبِ أَنَّ مِنَ شَأْنِهَا إِذَا حَكَتْ أَوْ أُمِرَتْ بِحِكَايَةِ خَبَرٍ يَتْلُو الْقَوْلَ، أَنْ تُخَاطِبَ ثُمَّ تُخْبِرُ عَنْ غَائِبٍ، وَتُخْبِرُ عَنِ الْغَائِبِ ثُمَّ تَعُودُ إِلَى الْخَطَّابِ ؛ لِمَا فِي الْحِكَايَةِ بِالْقَوْلِ مِنْ مَعْنَى الْغَائِبِ وَالْمُخَاطَبِ، كَقَوْلِهِمْ لِلرَّجُلِ : قَدْ قُلْتَ لِأَخِيكَ : لَوْ قُمْتَ لَقُمْتُ، وَقَدْ قُلْتَ لِأَخِيكَ : لَوْ قَامَ لَقُمْتُ ؛ لَسَهُلَ عَلَيْهِ مَخْرَجُ مَا اسْتُصْعِبَ عَلَيْهِ وِجْهَتَهُ مِنْ جَرِّ :﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.


الصفحة التالية
Icon