٢٥٣- حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ :﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ هَذَا الْكِتَابُ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ :﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ هَذَا الْكِتَابُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنَى هَذَا ؟ وَهَذَا لاَ شَكَّ إِشَارَةٌ إِلَى حَاضِرٍ مُعَايَنٌ، وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى غَائِبٍ غَيْرِ حَاضِرٍ وَلاَ مُعَايَنٍ ؟
قِيلَ : جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ مَا تَقَضَّى وَقَرُبَ تَقَضِّيهِ مِنَ الأَخْبَارِ فَهُوَ وَإِنْ صَارَ بِمَعْنَى غَيْرِ الْحَاضِرِ، فَكَالْحَاضِرِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ ؛ وَذَلِكَ كَالرَّجُلِ يُحَدِّثُ الرَّجُلَ الْحَدِيثَ، فَيَقُولُ السَّامِعُ : إِنَّ ذَلِكَ وَاللَّهِ لَكُمَا قُلْتَ، وَهَذَا وَاللَّهِ كَمَا قُلْتَ، وَهُوَ وَاللَّهِ كَمَا ذَكَرْتَ. فَيُخْبِرُ عَنْهُ مَرَّةً بِمَعْنَى الْغَائِبِ إِذْ كَانَ قَدْ تَقَضَّى وَمَضَى، وَمَرَّةً بِمَعْنَى الْحَاضِرِ لِقُرْبِ جَوَابِهِ مِنْ كَلاَمِ مُخْبِرِهِ كَأَنَّهُ غَيْرُ مُنْقَضٍ، فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ :﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ لِأَنَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ لَمَّا قَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ الْكِتَابَ ﴿الم﴾ الَّتِي ذَكَرْنَا تَصَرُّفَهَا فِي وُجُوهِهَا مِنَ الْمَعَانِي عَلَى مَا وَصَفْنَا، قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّدُ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ وَبَيَّنْتُهُ لَكَ الْكِتَابُ. وَلِذَلِكَ حَسُنَ وَضْعُ ذَلِكَ فِي مَكَانِ هَذَا، لِأَنَّهُ أُشِيرَ بِهِ إِلَى الْخَبَرِ عَمَّا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ :﴿الم﴾ مِنَ الْمَعَانِي بَعْدَ تَقَضِّي الْخَبَرُ عَنْهُ ﴿الم﴾، فَصَارَ لِقُرْبِ الْخَبَرِ عَنْهُ مِنْ تَقَضِّيهِ كَالْحَاضِرِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، فَأُخْبِرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لاِنْقِضَائِهِ وَمَصِيرِ الْخَبَرِ عَنْهُ كَالْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ.