وَأَمَّا الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ :﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ إِنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ الْجَوَابِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ اللَّهِ اسْتِهْزَاءٌ وَلاَ مَكْرٌ وَلاَ خَدِيعَةٌ ؛ فَنَافُونَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا قَدْ أَثْبَتَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَفْسِهِ وَأَوْجَبَهُ لَهَا. وَسَوَاءٌ قَالَ قَائِلٌ : لَمْ يَكُنْ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ اسْتِهْزَاءٌ وَلاَ مَكْرٌ وَلاَ سُخْرِيَةٌ بِمَنْ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَسْتَهْزِئُ وَيَسْخَرُ وَيَمْكُرُ بِهِ، أَوْ قَالَ : لَمْ يَخْسِفِ اللَّهُ بِمَنْ أَخْبَرَ أَنَّهُ خَسَفَ بِهِ مِنَ الأُمَمِ، وَلَمْ يُغْرِقْ مَنْ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَغْرَقَهُ مِنْهُمْ.
وَيُقَالُ لِقَائِلِ ذَلِكَ : إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَنَا أَنَّهُ مَكَرَ بِقَوْمٍ مَضَوْا قَبْلَنَا لَمْ نَرَهُمْ، وَأَخْبَرَ عَنْ آخَرِينَ أَنَّهُ خَسَفَ بِهِمْ، وَعَنْ آخَرِينَ أَنَّهُ أَغْرَقَهُمْ، فَصَدَّقْنَا اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِيمَا أَخْبَرَنَا بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ نُفَرِّقْ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْهُ، فَمَا بُرْهَانُكَ عَلَى تَفْرِيقِكَ مَا فَرَّقْتَ بَيْنَهُ بِزَعْمِكَ أَنَّهُ قَدْ أَغْرَقَ وَخَسَفَ بِمَنْ قد أَخْبَرَ أَنَّهُ أَغْرَقَ وَخَسَفَ بِهِ، وَلَمْ يَمْكُرْ بِهِ أَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ مَكَرَ بِهِ ؟ ثُمَّ نَعْكِسُ الْقَوْلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَلَنْ يَقُولَ فِي أَحَدِهِمَا شَيْئًا إِلاَّ أُلْزِمَ فِي الآخَرِ مِثْلَهُ.
فَإِنْ لَجَأَ إِلَى أَنْ يَقُولَ إِنَّ الاِسْتِهْزَاءَ عَبَثٌ وَلَعِبٌ، وَذَلِكَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَنْفِيٌّ.
قِيلَ لَهُ : إِنْ كَانَ الأَمْرُ عِنْدَكَ عَلَى مَا وَصَفْتَ مِنْ مَعْنَى الاِسْتِهْزَاءِ، أَفَلَسْتَ تَقُولُ :﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ وَسَخَرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَمَكَرَ اللَّهُ بِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ اللَّهِ عِنْدَكَ هُزْءٌ وَلاَ سُخْرِيَةٌ ؟@


الصفحة التالية
Icon