وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلاَمِ الْعَرَبِ يَقُولُ : مَعْنَاهَا إِذَا قُرِئَتْ كَذَلِكَ أَنَّهَا الرِّيحُ الَّتِي تَهُبُّ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ وَتَجِيءُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ : إِذَا قُرِئَتْ بِضَمِّ النُّونِ فَيَنْبَغِي أَنْ تُسَكَّنَ شِينُهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ لُغَةً بِمَعْنَى النَّشْرِ بِالْفَتْحِ، وَقَالَ : الْعَرَبُ تَضُمُّ النُّونَ مِنَ النَّشْرِ أَحْيَانًا، وَتَفْتَحُ أَحْيَانًا بِمَعْنَى وَاحِدٍ. قَالَ : فَاخْتِلاَفُ الْقُرَّاءِ فِي ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ اخْتِلاَفِهَا فِي لُغَتِهَا فِيهِ. وَكَانَ يَقُولُ : هُوَ نَظِيرُ الْخَسْفِ وَالْخُسْفِ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَضَمِّهَا.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ (نَشْرًا) وَ (نُشُرًا) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الشِّينِ وَبِضَمِّ النُّونِ وَالشِّينِ، قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الأَمْصَارِ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْبَاءِ فَلاَ أُحِبُّ الْقِرَاءَةَ بِهَا، وَإِنْ كَانَ لَهَا مَعْنًى صَحِيحٌ وَوَجْهٌ مَفْهُومٌ فِي الْمَعْنَى وَالإِعْرَابِ كَمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْعِلَّةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ :﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، فَإِنَّهُ يَقُولُ : قُدَّامَ رَحْمَتِهِ وَأَمَامَهَا، وَالْعَرَبُ كَذَلِكَ تَقُولُ لِكُلِّ شَيْءٍ حَدَثَ قُدَّامَ شَيْءٍ وَأَمَامَهُ جَاءَ بَيْنَ يَدَيْهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَلاَمِهِمْ جَرَى فِي أَخْبَارِهِمْ عَنْ بَنِي آدَمَ، وَكَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِمْ حَتَّى قَالُوا ذَلِكَ فِي غَيْرِ ابْنِ آدَمَ وَمَا لاَ يَدَ لَهُ.
وَالرَّحْمَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْمَطَرُ.