وَأُخْرَى أَنَّهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَدْ كَانَ عَلَى عِلْمٍ مِنَ السَّحَرَةِ، إِنَّمَا جَاءَ بِهِمْ فِرْعَوْنُ لِيُغَالِبُوهُ عَلَى مَا كَانَ جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي كَانَ اللَّهُ آتَاهُ، فَلَمْ يَكُنْ يَذْهَبُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُصَدِّقُونَهُ فِي الْخَبَرِ عَمَّا جَاءُوا بِهِ مِنَ الْبَاطِلِ، فَيَسْتَخْبِرُهُمْ أَوْ يَسْتَجِيزُ اسْتِخْبَارَهُمْ عَنْهُ ؛ وَلَكِنَّهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَعْلَمَهُمُ أَنَّهُ عَالِمٌ بِبُطُولِ مَا جَاءُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَتَاهُ وَمُبْطِلٌ كَيْدَهُمْ بِجِدِّهِ، وَهَذِهِ أَوْلَى بِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الأُخْرَى.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَمَا وَجْهُ دُخُولِ الأَلِفِ وَاللاَّمِ فِي السِّحْرِ إِنْ كَانَ الأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ كَلاَمَ الْعَرَبِ فِي نَظِيرِ هَذَا أَنْ يَقُولُوا : مَا جَاءَنِي بِهِ عَمْرٌو دِرْهَمَ، وَالَّذِي أَعْطَانِي أَخُوكَ دِينَارَ، وَلاَ يَكَادُونَ أَنْ يَقُولُوا الَّذِي أَعْطَانِي أَخُوكَ الدِّرْهَمُ، وَمَا جَاءَنِي بِهِ عَمْرُو الدِّينَارُ ؟
قِيلَ لَهُ : بَلَى كَلاَمُ الْعَرَبِ إِدْخَالُ الأَلِفِ وَاللاَّمِ فِي خَبَرِ مَا وَالَّذِي إِذَا كَانَ الْخَبَرُ عَنْ مَعْهُودٍ قَدْ عَرَفَهُ الْمُخَاطِبُ وَالْمُخَاطَبُ، بَلْ لاَ يَجُوزُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ إِلاَّ بِالأَلِفِ وَاللاَّمِ، لِأَنَّ الْخَبَرَ حِينَئِذٍ خَبَرٌ عَنْ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ مَعْرُوفٍ عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ ؛ وَإِنَّمَا يَأْتِي ذَلِكَ بِغَيْرِ الأَلِفِ إِذَا كَانَ الْخَبَرُ عَنْ مَجْهُولٍ غَيْرِ مَعْهُودٍ وَلاَ مَقْصُودٍ قَصَدَ شَيْئًا بِعَيْنِهِ، فَحِينَئِذٍ لاَ تَدْخُلُ الأَلِفُ وَاللاَّمُ فِي الْخَبَرِ، وَخَبَرُ مُوسَى كَانَ خَبَرًا عَنْ مَعْرُوفٍ عِنْدَهُ وَعِنْدَ السَّحَرَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ نَسَبَتْ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مُوسَى مِنَ الآيَاتِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ عَلَمًا لَهُ عَلَى صِدْقِهِ وَنُبُوَّتِهِ إِلَى أَنَّهُ سِحْرٌ، فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى : السِّحْرُ الَّذِي وَصَفْتُمْ بِهِ مَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنَ الآيَاتِ أَيُّهَا السَّحَرَةُ، هُوَ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ أَنْتُمْ لاَ مَا جِئْتُكُمْ بِهِ أَنَا.


الصفحة التالية
Icon