وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ : عَنَى بِهِمَا فِرْعَوْنَ، قَالَ : وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ وَفِرْعَوْنُ وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّ الْمَلِكَ إِذَا ذُكِرَ لِخَوفٍ أَوْ سَفَرٍ وَقُدُومٍ مِنْ سَفَرٍ ذَهَبَ الْوَهْمُ إِلَيْهِ وَإِلَى مَنْ مَعَهُ. وَقَالَ : أَلاَ تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ : قَدِمَ الْخَلِيفَةُ فَكَثُرَ النَّاسُ، تُرِيدُ بِمَنْ مَعَهُ، وَقَدِمَ فَغَلَتِ الأَسْعَارُ ؟ لأَنَّا نَنْوِي بِقُدُومِهِ قَدُومَ مَنْ مَعَهُ. قَالَ : وَقَدْ يَكُونُ يُرِيدُ أَنَّ بِفِرْعَونَ آلَ فِرْعَوْنَ، وَيَحْذِفُ آلَ فِرْعَوْنَ فَيَجُوزُ، كَمَا قَالَ :﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ يُرِيدُ أَهْلَ الْقَرْيَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ : وَمِثْلُهُ قَوْلِهِ :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.
وَأَوْلَى الأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : الْهَاءُ وَالْمُيمُ عَائِدَتَانِ عَلَى الذُّرِّيَّةِ. وَوَجَّهَ مَعْنَى الْكَلاَمِ إِلَى أَنَّهُ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَمَلَأِ الذُّرِّيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي ذُرِّيَّةِ الْقَرْنِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مُوسَى مَنْ كَانَ أَبُوهُ قِبْطِيًّا وَأُمُّهُ إِسْرَائِيلِيَّةَ، فَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ مِنْهُمْ كَانَ مَعَ فِرْعَوْنَ عَلَى مُوسَى.
وَقَوْلُهُ :﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ يَقُولُ : كَانَ إِيمَانُ مَنْ آمَنَ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمِ مُوسَى عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ أَنْ يَفْتِنَهُمْ بِالْعَذَابِ، فَيَصُدَّهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَيَحْمِلُهِمْ عَلَى الرُّجُوعِ عَنْ إِيمَانِهِمْ، وَالْكُفْرِ بِاللَّهِ.