الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ فَيُفَادُونَ أَسْرَاهُمْ مِنَ الْيَهُودِ، وَيَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ، فَيَقْتُلُونَ مَنْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَتْلَهُ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِمْ، وَيُخْرِجُونَ مِنْ دَارِهِ مَنْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ إِخْرَاجَهُ مِنْ دَارِهِ، نَقْضًا لَعَهْدِ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ فِي التَّوْرَاةِ إِلَيْهِمْ. فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ اشْتَرَوْا رِيَاسَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا عَلَى الضُّعَفَاءِ وَأَهْلِ الْجَهْلِ وَالْغَبَاءِ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِمْ، وَابْتَاعُوا الْمَآكِلَ الْخَسِيسَةَ الرَّدِيئَةَ فِيهَا، بِالإِيمَانِ الَّذِي كَانَ يَكُونُ لَهُمْ بِهِ فِي الآخِرَةِ لَوْ كَانُوا أَتَوْا بِهِ مَكَانَ الْكُفْرِ الْخُلُودَ فِي الْجِنَّانِ. وَإِنَّمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِأَنَّهُمُ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ لِأَنَّهُمْ رَضُوا بِالدُّنْيَا بِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ فِيهَا عِوَضًا مِنْ نَعِيمِ الآخِرَةِ الَّذِي أَعَدَّهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَجَعَلَ تركهم حُظُوظَهُمْ مِنْ نَعِيمِ الآخِرَةِ بِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ ثَمَنًا لِمَا ابْتَاعُوهُ بِهِ مِنْ خَسِيسِ الدُّنْيَا.
١٤٨٥- كَمَا حَدَّثَنَا بشر بن معاذ قال : حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ : قَوْلُهُ :﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ﴾ اسْتَحَبُّوا قَلِيلَ الدُّنْيَا عَلَى كَثِيرِ الآخِرَةِ.
ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُمْ إِذْ بَاعُوا حُظُوظَهُمْ مِنْ نَعِيمِ الآخِرَةِ بِتَرْكِهِمْ طَاعَتَهُ، وَإِيثَارِهِمُ الْكُفْرَ بِهِ وَالْخَسِيسَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَيْهِ، @


الصفحة التالية
Icon