وَلِذَلِكَ نَصَبَ قَوْلَهُ :﴿فَقَلِيلاً﴾ لِأَنَّهُ نَعْتٌ لِلْمَصْدَرِ الْمَتْرُوكِ ذِكْرُهُ، وَمَعْنَاهُ : بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فِإِيمَانًا قَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ. فَقَدْ تَبَيَّنَ إِذًا بِمَا بَيَّنَّا فَسَادُ الْقَوْلِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلَى مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّهُ يَعْنِي بِهِ : فَلاَ يُؤْمِنُ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ، أَوْ فَقَلِيلٌ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ، لَكَانَ الْقَلِيلُ مَرْفُوعًا لاَ مَنْصُوبًا ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ تَأْوِيلُهُ كَانَ الْقَلِيلُ حِينَئِذٍ مُرَافِعًا مَا وَإِنْ نُصِبَ الْقَلِيلُ، وَمَا فِي مَعْنَى مِنْ أَوِ الَّذِي بَقِيَتْ مَا لاَ مُرَافِعَ لَهَا، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ فِي لُغَةِ أَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ.
فَأَمَّا أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى مَا الَّتِي فِي قَوْلِهِ :﴿فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ﴾ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ زَائِدَةٌ لاَ مَعْنَى لَهَا، وَإِنَّمَا تَأْوِيلُ الْكَلاَمِ : فَقَلِيلاً يُؤْمِنُونَ، كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ :﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَزَعَمَ أَنَّ مَا فِي ذَلِكَ زَائِدَةٌ، وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلاَمِ : فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ؛ وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ مُحْتَجًّا لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِبَيْتِ مُهَلْهَلٍ :.
| لَوْ بِأَبَانَيْنِ جَاءَ يَخْطُبُهَا | خُضِّبَ مَا أَنْفُ خَاطِبٍ بِدَمِ |
وَأَنْكَرَ آخَرُونَ مَا قَالَهُ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ فِي مَا فِي الآيَةِ، وَفِي الْبَيْتِ الَّذِي أَنْشَدَهُ، وَقَالُوا : إِنَّمَا ذَلِكَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى ابْتِدَاءِ الْكَلاَمِ بِالْخَبَرِ عَنْ عُمُومِ جَمِيعِ الأَشْيَاءِ، إِذْ كَانَتْ مَا كَلِمَةً تَجْمَعُ كُلَّ الأَشْيَاءِ ثُمَّ تَخُصُّ بعض مَا عَمَّتْهُ بِمَا يذْكُرْهُ بَعْدَهَا.