وَهَذَا الْقَوْلُ عِنْدَنَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ مَا لاَ تُفِيدُ مِنَ الْكَلاَمِ مَعْنَى فِي الْكَلاَمِ غَيْرُ جَائِزٍة إِضَافَتُهُ إِلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ.
وَلَعَلَّ قَائِلاً أَنْ يَقُولَ : هَلْ كَانَ لِلَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ مِنَ الإِيمَانِ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ فَيُقَالُ فِيهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ ؟
قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى الإِيمَانِ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَقَدْ كَانَتِ الْيَهُودُ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهَا هَذَا الْخَبَرَ تُصَدِّقُ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَبِالْبَعْثِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَتَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُبُوَّتِهِ، وَكُلِّ ذَلِكَ كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِمُ الإِيمَانُ بِهِ لِأَنَّهُ فِي كُتُبِهِمْ، وَمِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ مُوسَى ؛ فَصَدَّقُوا بِبَعْضٍ وذلك هُوَ ذَلِكَ الْقَلِيلُ مِنْ إِيمَانِهِمْ، وَكَذَّبُوا بِبَعْضٍ فَذَلِكَ هُوَ الْكَثِيرُ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَكْفُرُونَ بِهِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّهُمْ كَانُوا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا قِيلَ :﴿فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ﴾ وَهُمْ بِالْجَمِيعِ كَافِرُونَ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ : قَلَّمَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا قَطُّ، تريد : ما رأيت مثل هذا قط ورُوِيَ عَنْهَا سَمَاعًا مِنْهَا : مَرَرْتُ بِبِلدٍ قَلَّمَا تُنْبِتُ إِلاَّ الْكُرَّاثَ وَالْبَصَلَ، يَعْنِي : مَا ينْبِتُ شيئا إلا الْكُرَّاثِ وَالْبَصَلِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلاَمِ الَّذِي يُنْطَقُ بِهِ بِوَصْفِ الشَّيْءِ بِالْقِلَّةِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ نَفْيُ جَمِيعِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.


الصفحة التالية
Icon