يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ :﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أَيْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِ وَحَقِّيَّةِ نُبُوَّتِهِ ؛ كَالْعَصَا الَّتِي تَحَوَّلَتْ ثُعْبَانًا مُبِينًا، وَيَدِهِ الَّتِي أَخْرَجَهَا بَيْضَاءَ لِلنَّاظِرِينَ، وَفَلْقِ الْبَحْرِ، وَمَصِيرِ أَرْضِهِ لَهُ طَرِيقًا يَبَسًا، وَالْجَرَادِ وَالْقُمَّلِ وَالضَّفَادِعِ، وَسَائِرِ الآيَاتِ الَّتِي بَيَّنَتْ صِدْقَهُ وَحَقِّيَّةَ نُبُوَّتِهِ. وَإِنَّمَا سَمَّاهَا اللَّهُ بَيِّنَاتٍ لِتَبَيُّنِهَا لِلنَّاظِرِينَ إِلَيْهَا أَنَّهَا مُعْجِزَةٌ لاَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهَا بَشَرٌ إِلاَّ بِتَسْخِيرِ اللَّهِ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنَّمَا هِيَ جَمْعُ بَيِّنَةٍ مِثْلُ طَيِّبَةٍ وَطَيِّبَاتٍ.
وَمَعْنَى الْكَلاَمِ : وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يَا مَعْشَرَ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُوسَى بِالآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ عَلَى أَمْرِهِ وَصِدْقِهِ وَحَقِّيّقَةِ نُبُوَّتِهِ.
وَقَوْلُهُ :﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِه وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾. يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ : ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى، فَالْهَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ : مِنْ بَعْدِهِ مِنْ ذِكْرِ مُوسَى. وَإِنَّمَا قَالَ : مِنْ بَعْدِ مُوسَى، لِأَنَّهُمُ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ أَنْ فَارَقَهُمُ مُوسَى مَاضِيًا إِلَى رَبِّهِ لِمَوْعِدِهِ، عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ الَّتِي فِي بَعْدِهِ من ذِكْرِ الْمَجِيءِ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلاَمِ حِينَئِذٍ : وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَجِيءِ موسى بالْبَيِّنَاتِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ، كَمَا تَقُولُ : جِئْتَنِي فَكَرِهْتُك ؛ يَعْنِي كَرِهْتُ مَجِيئَكَ.


الصفحة التالية
Icon