فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي كُلُّهَا يَحْتَمِلُهَا قَوْلُهُ :﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَصَّ مِنْهَا شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ، فَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالُ : إِنَّ اللَّهَ نَهَى عَنِ الإِلْقَاءِ بِأَيْدِينَا لِمَا فِيهِ هَلاَكُنَا، وَالاِسْتِسْلاَمِ لِلْهَلَكَةِ، وَهِيَ الْعَذَابُ، بِتَرْكِ مَا لَزِمَنَا مِنْ فَرَائِضِهِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ مِنَّا الدُّخُولُ فِي شَيْءٍ يَكْرَهُ اللَّهُ مِنَّا مِمَّا نَسْتَوْجِبُ بِدُخُولِنَا فِيهِ عَذَابَهُ. غَيْرَ أَنَّ الأَمْرَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الأَغْلَبَ مِنْ تَأْوِيلِ الآيَةِ : وَأَنْفِقُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلاَ تَتْرُكُوا النَّفَقَةَ فِيهَا فَتَهْلَكُوا بِاسْتِحْقَاقِكُمْ بِتَرْكِكُمْ ذَلِكَ عَذَابِي.
٣٢٠٠- كَمَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلِهِ :﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قَالَ التَّهْلُكَةُ : عَذَابُ اللَّهِ.
فَيَكُونُ ذَلِكَ إِعْلاَمًا مِنْهُ لَهُمْ بَعْدَ أَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِالنَّفَقَةِ مَا لِمَنْ تَرَكَ النَّفَقَةَ الْمَفْرُوضَةَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ فِي الْمَعَادِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَمَا وَجْهُ إِدْخَالِ الْبَاءِ فِي قَوْلِهِ. ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ كَلاَمِ الْعَرَبِ أَلْقَيْتُ إِلَى فُلاَنٍ دِرْهَمًا، دُونَ أَلَقَيْتُ إِلَى فُلاَنٍ بِدِرْهَمٍ ؟
قِيلَ : قَدْ قِيلَ إِنَّهَا زِيدَتْ نَحْوَ زِيَادَةِ الْقَائِلِ الْبَاءِ فِي قَوْلِهِ : جَذَبْتُ بِالثَّوْبِ، وَجَذَبْتُ الثَّوْبَ، وَتَعَلَّقْتُ بِهِ، وَتَعَلَّقْتُهُ، وَ ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ وَإِنَّمَا هُوَ تَنْبُتُ الدُّهْنَ.


الصفحة التالية
Icon