وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنْ عَاصِمٍ، فَرُوِيَ عَنْهُ مُوَافَقَةُ الأَعْرَجِ وَمُخَالَفَتُهُ إِلَى قِرَاءَةِ سَائِرِ الْقُرَّاءِ.
وَالْهَدْي عِنْدِي إِنَّمَا سُمِّيَ هَدْيًا لِأَنَّهُ تَقَرَّبَ بِهِ إِلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ مُهْدِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْهَدِيَّةِ يُهْدِيهَا الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِهِ مُتَقَرِّبًا بِهَا إِلَيْهِ، يُقَالُ مِنْهُ : أَهْدَيْتُ الْهَدْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ فَأَنَا أُهْدِيهِ إِهْدَاءً، كَمَا يُقَالُ فِي الْهَدِيَّةِ يُهْدِيهَا الرَّجُلَ إِلَى غَيْرِهِ : أَهْدَيْتُ إِلَى فُلاَنٍ هَدِيَّةً، وَأَنَا أُهْدِيهَا إِهْدَاءً. وَيُقَالُ لِلْبَدَنَةِ هَدِيَّةٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى يَذْكُرُ رَجُلاً أُسِرَ يُشْبِهُهُ فِي حُرْمَتُهُ بِالْبَدَنَةِ الَّتِي تُهْدَى :.

فَلَمْ أَرَ مَعْشَرًا أَسَرُوا هَدِيًّا وَلَمْ أَرَ جَارَ بَيْتٍ يُسْتَبَاءُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَأَرَدْتُمُ الإِحْلاَلَ مِنْ إِحْرَامِكُمْ، فَعَلَيْكُمْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، وَلاَ تُحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ إِذَا أُحْصِرْتُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْي الَّذِي أَوْجَبْتُهُ عَلَيْكُمْ لِإِحْلاَلِكُمْ مِنْ إِحْرَامِكُمُ الَّذِي أُحْصِرْتُمْ فِيهِ قَبْلَ تَمَامِهِ، وَانْقِضَاءِ مَشَاعِرِهِ، وَمَنَاسِكِهِ مَحِلَّهُ، وَذَلِكَ أَنَّ حَلْقَ الرَّأْسِ إِحْلاَلٌ مِنَ الإِحْرَامِ الَّذِي كَانَ الْمُحْرِمُ قَدِ أَوْجَبُهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَنَهَاهُ اللَّهُ عَنِ الإِحْلاَلِ مِنْ إِحْرَامِهِ بِحِلاَقِهِ، حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْي الَّذِي أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ الإِحْلاَلَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِإِهْدَائِهِ مَحِلَّهُ.


الصفحة التالية
Icon