قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا وَجْهُ دُخُولِ مِنْ فِي قَوْلِهِ :﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ وَ ﴿مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ قِيلَ : اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : أُدْخِلَتْ مِنْ، لِأَنَّ مِنْ تَحْسُنُ مَعَ النَّفْيِ، مِثْلُ : مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ. قَالَ : وجعل الْخَبَرِ بِالْفَاءِ لان ِمًا بِمَنْزِلَةِ مِنْ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ : أُدْخِلَتْ مِنْ مَعَ مَا، كَمَا تَدْخُلُ عَلَى إِنْ فِي الْجَزَاءِ لِأَنَّهُمَا حَرْفَا جَزَاءٍ، وَكَذَلِكَ تَدْخُلُ مَعَ مِنْ إِذَا كَانَتْ جَزَاءً، فَتَقُولُ الْعَرَبُ : مَاْ يَزُرْكَ مِنْ أَحَدٍ فَتُكْرِمَهُ، كَمَا تَقُولُ : إِنْ يَزُرْكَ مِنْ أَحَدِ فَتُكْرِمَهُ. قَالَ : وَأَدْخَلُوهَا مَعَ مَا وَ مِنْ، لِيُعْلَمَ بِدُخُولِهَا مَعَهُمَا أَنَّهُمَا جَزَاءٌ. قَالُوا : وَإِذَا دَخَلَتْ مَعَهُمَا لَمْ تُحْذَفْ، لِأَنَّهَا إِذَا حُذِفَتْ صَارَ الْفِعْلُ رَافِعًا شَيْئَيْنٍ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا فِي قَوْلِهِ :﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ رُفِعَ بِقَوْلِهِ :﴿أَصَابَكَ﴾ فَلَوْ حُذِفَتْ مِنْ رَفَعَ قَوْلُهُ :﴿أَصَابَكَ﴾ السَّيِّئَةَ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ : إِنْ تُصِبْكَ سَيِّئَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ حَذْفُ مِنْ لِذَلِكَ، لِأَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي هُوَ عَلَى فَعَلَ أَوْ يَفْعَلُ لاَ يَرْفَعُ شَيْئَيْنٍ، وَجَازَ ذَلِكَ مَعَ مِنْ، لأَنَّهَا تَشْتَبِهُ بِالصِّفَاتِ، وَهِيَ فِي مَوْضِعِ اسْمٍ، فَأَمَّا إِنْ، فَإِنَّ مِنْ تَدْخُلُ مَعَهَا وَتَخْرُجُ، وَلا تدخل مَعَ أَيْ لأَنَّهَا تُعْرَبُ فَيَبِينُ فِيهَا الإِعْرَابُ، وَدَخَلَتْ مَعَ مَا لأَنَّ الإِعْرَابَ لاَ يَظْهَرُ فِيهَا.