الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّدُ، لاَ تَعْجَبَنَّ مِنْ هَؤُلاَءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ هَمُّوا أَنْ يَبْسُطُوا أَيْدِيَهُمْ إِلَيْكَ وَإِلَى أَصْحَابِكَ، وَنَكَثُوا الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، غَدْرًا مِنْهُمْ بِكَ وَأَصْحَابِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَادَاتِهِمْ وَعَادَاتِ سَلَفِهِمْ ؛ وَمِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَخَذْتُ مِيثَاقَ سَلَفِهِمْ عَلَى عَهْدِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى طَاعَتِي، وَبَعَثْتُ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَدْ تُخَيَّرُوا مِنْ جَمِيعِهِمْ لِيَتَجَسَّسُوا أَخْبَارَ الْجَبَابِرَةِ، وَوَعَدْتُهُمُ النَّصْرَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ أُوَرِّثَهُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، بَعْدَ مَا أَرَيْتُهُمْ مِنَ الْعِبَرِ وَالآيَاتِ بِإِهْلاَكِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ فِي الْبَحْرِ وَفَلْقِ الْبَحْرِ لَهُمْ وَسَائِرِ الْعِبَرِ مَا أَرَيْتُهُمْ، فَنَقَضُوا مِيثَاقَهُمُ الَّذِي وَاثَقُونِي وَنَكَثُوا عَهْدِي، فَلَعَنْتُهُمْ بِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ ؛ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ خِيَارِهِمْ مَعَ أَيَادِيَّ عِنْدَهُمْ، فَلا تَسْتَنْكِرُوا مِثْلَهُ مِنْ فِعْلِ أَرَاذِلِهِمْ.
وَفَي الْكَلاَمِ مَحْذُوفٌ اكْتُفِي بِدَلاَلَةِ الظَّاهِرِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلاَمِ : فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ، فَنَقَضُوا الْمِيثَاقَ، فَلَعَنْتُهُمْ، فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ، فَاكْتَفَى بِقَوْلِهِ :﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ مِنْ ذِكْرِ فَنَقَضُوا.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ :﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ. كَمَا قَالَ قَتَادَةُ.