وكلام عمر إذ يقول: "إنما أخاف عليكم رجلين: رجل يتأوَّل القرآن على غير تأويله، ورجل ينافس المُلْك على أخيه"، وكلامه إذ يقول: "ما أخاف على هذه الأُمَّة من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا من فاسق بَيِّن فسقه، ولكنى أخاف عليها رجلاً قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه، ثم تأوَّله على غير تأويله". وما تفرقت الأمة وخرجت الخوارج وغلاة الشيعة إلا بسبب تأويل القرآن على غير وجهه. فكل هذا الذم وارد فى حق مَن لا يُراعى فى تفسير القرآن قوانين اللغة ولا أدلة الشريعة، جاعلاً هواه رائده، ومذهبه قائده، وهذا هو الذي يُحمل عليه كلام المانعين للتفسير بالرأى.
وقد قال ابن كثير - بعد أن ساق الآثار عَمَّن تحرَّج من السَلَف من القول فى التفسير - : فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السَلَف، محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما مَن تكلَّم بما يعلم من ذلك لغة وشرعاً فلا حَرَج عليه، ولهذا رُوِى عن هؤلاء وغيرهم أقوال فى التفسير، ولا منافاة، لأنهم تكلِّموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، هذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سُئِل عنه مما يعلمه، لقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧].. ولما جاء فى الحديث الذي روي من طرق: "مَنْ سُئِلَ عن علم فكتمه أُلْجِمَ يوم القيامة بلجامٍ من نار" (١).
وبذلك قد علمنا أن التفسير بالرأى قسمان: قسم مذموم غير جائز، وقسم ممدوح جائز، وتبين لنا أن القسم الجائز محدود بحدود، ومقيَّد بقيود (٢).

(١) ١- صحيح: رواه أحمد(٧٥٦١) والترمذي(٢٦٤٩) وحسنه، وأبو داود(٣٦٥٨) وغيرهم
(٢) ٢- د. الذهبي/التفسير والمفسرون (١/١٨٩)، وانظر مقدمة تفسير ابن كثير(١/٦) ومقدمة في أصول التفسير لابن تيمية ص: ٣١-٣٢


الصفحة التالية
Icon