واستدلوا أيضًا بالحديث الذي في الصحيحين: البخاري (٤٥٤) ومسلم (٢٣٨٢): عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ إِنْ يَكُنْ اللَّهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْعَبْدَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا" فأبو بكر فهم بطريق الإشارة أن رسول الله ﷺ هو العبد المُخَيَّر ولم يفهم ذلك باقي الحاضرين.
ولقد بالغ قوم في التفسير بالإشارات والخواطر وفتنوا بذلك حتى ظنوا أنّ ما جاء في الكتاب والسنة ما هو إلاّ سوانح وواردات، وشطحوا مع تخيلاتهم، ولم يتقيدوا بتكاليف الشريعة ولا قوانين اللغة التي نزل بها القرآن، وخيّلوا للناس أنهم هم أهل الحقيقة الذين أدركوا الغاية واتصلوا بالله تعالى وأخذوا عنه بلا واسطة، وأسقطوا التكاليف الشرعية بتأويلاتهم الباطلة، فهدموا الدين وأتوا على بنيانه من القواعد.


الصفحة التالية
Icon