فإن قلت : فقد قال الفريابيّ : حدّثنا سفيان، عن يونس بن عبيد، عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولِكلِّ آية ظهر وبَطْن، ولكلّ حرف حدّ، ولكل حَدّ مطلع". (١)
وأَخرج الدّيلميّ من حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعاً: "القرآن تحت العرش، له ظهر وبطن يحاجّ العباد ".
وأَخرج الطبرانيّ وأَبو يعلَى والبزَّار وغيرهم، عن ابن مسعود موقوفاً: " إن هذا القرآن ليس منه حرف إلا له حدّ، ولكل حدّ مطلع".
قلت : أَمّا الظهر والبطن ففي معناه أَوجه :
أَحدها : أَنَّك إذا بحثت عن باطنها وقِسْتَه على ظاهرها، وقفت على معناها.
والثاني : أَنَّ ما من آية إلا عمل بها قوم؛ ولها قوم سيعملون بها، كما قال ابن مسعود، فيما أَخرجه ابن أَبي حاتم.
الثالث : أَن ظاهرها لفظها، وباطنها تأْويلها.
الرابع : قال أَبو عبيد : وهو أَشبهها بالصواب - إن القصص التي قصَّها الله تعالى عن الأُمم الماضية وما عاقبهم به: ظاهرها الإِخبار بهلاك الأَوّلين، إنما هو حديث حَدَّث به عن قوم. وباطنها وعظ الآخرين، وتحذيرهم أَن يفعلوا كفعلهم، فيحلّ بهم مثل ما حل بهم.
وحكَى ابن النقيب قولاً خامساً : إنَّ ظهرَها ما ظهر من معانيها لأَهل العلم بالظَّاهر، وبطنها ما تضمنته من الأَسرار التي أَطلع الله عليها أَرباب الحقائق.
ومعنى قوله: "ولكل حرف حدّ" أَي منتَهى، فيما أَراد الله من معناه. وقيل: لكل حكم مقدار من الثواب والعقاب.
ومعنى قوله: "ولكل حدّ مطلع" : لكل غامض من المعاني والأَحكام مطلع يُتوصّل به إلى معرفته، ويُوقف على المراد به. وقيل: كلّ ما يستحقه من الثواب والعقاب يطلع عليه في الآخرة عند المجازاة.