وقد يدور سؤال بخلد القارئ هو: كيف نجزم بنسبة هذه التأويلات كلها إلى الباطنية مع وجود التناقض والاختلاف بين بعض المعانى التى نقلت عنهم للفظ الواحد؟ أليس هذا دليلاًً على عدم صحة كل ما يُنسب إليهم؟ والحق أن السؤال وارد، ولكنه مدفوع بما ذكره الغزالى من أنّ " سر هذا الاضطراب راجع إلى أنهم كانوا لا يخاطبون الخلق بمسلك واحد، بل غرضهم الاستتباع والاحتيال، فلذلك تختلف كلمتهم ويتفاوت نقل المذهب عنهم (١) ".
ويرجع ذلك أيضًا إلى أن باب التأويل واسع ولا ضوابط للغلاة في تأويلاتهم، فمن النادر أن يتفقوا في تأويلاتهم للشيئ الواحد، مما يدل على أن كل واحد يؤول بما شاء له الهوى، وحسب انحراف مزاجه أو اعتداله. لذا وضع علماء الإسلام ضوابط للتاويل المقبول، كي لا تتخذ المذاهب الضالة والتيارات الهدامة من التأويل سندًا ووسيلة لخدمة أغراضها، ولبث الفوضى الفكرية، والإجتماعية، والدينية.
هذا.. وقد تولدت في العصور الحديثة فرق أخرى من الباطنية كالبابية (أو البهائية) والقاديانية وكل منهما تؤوِّل القرآن تأويلاً يوافق معتقداتها.
فائدة:
قرر علماء الشريعة أن الأصل عدم التأويل، وأن التأويل خلاف الأصل، ولا يعدل عن الأصل إلى خلافه إلا بدليل. وعلى هدي من هذا الأصل، وحفاظا على نصوص الشريعة من نزعات الهوى، وضعوا شروطا للتأويل، ولم يعتبروا التأويل صحيحًا مقبولاً إلا بتوفر هذه الشروط، وإلا فهو تأويل فاسد مردود. ومن أهم هذه الشروط، ما يلي (٢) :
(٢) -انظر : الشاطبي/الموافقات، (٤/ ١٠٥-١١٨). ود. محمد سلام مدكور/ المدخل للفقه الإسلامي، ص ٢٨٦-٢٩١. - د. محمد أديب الصالح : تفسير النصوص ( ١/٣٨١).
د. محمد فتحي الدريني/ المناهج الأصولية، ص ٧٦-٧٧، والشوكاني/ إرشاد الفحول ص ١٧٧