فقالوا - مثلاً -: إنّ من لطف الله تعالى أن يشير بواسطة المعانى الباطنة لبعض الآيات إلى ما سيحدث فى المستقبل من حوادث، ويعدون هذا من وجوه إعجازه، ثم يُفرِّعون على هذه القاعدة ما يشاؤه لهم الهوى، وما يزينه فى أعينهم داعي العقيدة وسلطانها، فيقولون مثلاً فى قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]، إنه إشارة إلى أنّ هذه الأُمَّة ستسلك سبيل مَن كان قبلها من الأمم فى الغدر بالأوصياء بعد الأنبياء. (١)
كذلك مكَّن لهم القول بباطن القرآن من أن يقولوا: إنَّ اللفظ الذى يُراد به العموم ظاهراً كثيراً ما يراد به الخصوص بحسب المعنى الباطن، فمثلاً لفظ: "الكافرين" الذى يراد به العموم، يقولون: هو فى الباطن مخصوص بمن كفر بولاية علىّ.
كما مكَّنهم أيضاً من أن يصرفوا الخطاب الذى هو مُوجَّه فى الظاهر إلى الأمم السابقة أو إلى أفراد منها، إلى مَن يصدق عليه الخطاب فى نظرهم من هذه الأمة بحسب الباطن، فمثلاً قوله تعالى: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] يقولون فيه: قوم موسى فى الباطن هم أهل الإسلام.
ولقد مكنَّهم أيضاً من أن يتركوا أحياناً المعنى الظاهر ويقولوا بالباطن وحده، كما فى قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ [الإسراء: ٧٤-٧٥]، فالظاهر غير مراد عندهم، ويقولون: عنى بذلك غير النبى، لأن مثل هذا لا يليق أن يكون موجهاً للنبى عليه الصلاة والسلام، وإنما هو مَعنىٌّ به مَن قد مضى، أو هو من باب: "إياكِ أعنى واسمعى ياجارة". (٢)

(١) - أنظر مقدمة المحقق لتفسير القمي ص: ١٩ نقلاً عن كتاب الاحتجاج، الصافي (٥/٣٠٦)
(٢) - تفسير العياشي (١/١٠)


الصفحة التالية
Icon