كذلك مكَّنهم هذا المبدأ من إرجاع الضمير إلى ما لم يسبق له ذكر، كما فى قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَاذَآ أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥]، حيث يفسرون: "أو بدله" بمعنى أو بدِّل عليًا (١). ومعلوم أنّ علياً لم يسبق له ذكر، ولم يكن الكلام مسوقاً فى شأن خلافته وولايته.
ومما ساغ لهم أن يقولوه بعد تقريرهم لمبدأ القول بالباطن: إنَ تأويل الآيات القرآنية لا يجرى على أهل زمان واحد، بل عندهم أنّ كل فقرة من فقرات القرآن لها تأويل يجرى فى كل آن، وعلى أهل كل زمان، فمعانى القرآن على هذا متجددة. حسب تجدد الأزمنة وما يكون فيها من حوادث. بل وساغ لهم ما هو أكثر من ذلك فقالوا: إنّ الآية الواحدة لها تأويلات كثيرة مختلفة متناقضة، وقالوا: إنّ الآية الواحدة يجوز أن يكون أولها فى شىء وآخرها فى شىء آخر. ولا شك أن باب التأويل الباطنى باب واسع يمكن لكل مَن ولجه أن يصل منه إلى كل ما يريد.
* مخلصهم من تناقض أقوالهم فى التفسير:
إنّ الإمامية الاثنى عشرية، أحسوا بخطر موقفهم وتحرجه عندما جوَّزوا أن يكون للآية الواحدة أكثر من تفسير، مع التناقض والاختلاف بين هذه التفاسير. فأخذوا يموِّهون على العامة ويضللونهم، فقرروا من المبادئ ما أوجبوا الاعتقاد به أولاً على الناس ليصلوا بعد ذلك إلى مخلص يتخلصون به من هذا المأزق الحرج، فكان من هذه المبادئ التى قرروها وأوجبوا الاعتقاد بها ما يأتى (٢) :
أولاً: أن الإمام مفوَّض من قِبَلِ الله فى تفسير القرآن.
ثانياً: أنه مفوَّض فى سياسة الأمة.
ثالثاً: أن له أن يأخذ بالتقيَّة.
وكل واحد من هذه الثلاثة يمكن أن يكون مخلصًا للخروج من هذا التناقض الذى وقع فى تفاسيرهم التى يروونها عن أئمتهم.
(٢) - التفسير والمفسرون ( ٢/٢٥ )