الأول: أن القصة التي ذكروها في تصدق علي رضي الله عنه على السائل وهو راكع باطلة وليس لها سند صحيح، يريدون بذلك مدح علي، فإذا بهم يذمونه بعدم الخشوع في الصلاة، والله تعالى يقول:" قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ "﴿ المؤمنون: ١-٢﴾ مع أن عليًا غنيٌّ عن كذبهم هذا بما مدحه به الرسول صلى الله عليه وسلم، ألم يكن من الأولى أن ينتظر عليٌّ حتى ينتهي من صلاته ثم يتصدق على السائل، وبذلك يحافظ على خشوعه وهو من رؤس الخاشعين، وهل كان السائل تاركًا للصلاة في زمن النبي ﷺ ؟ وكيف يذهب لراكعٍ يسأله الصدقة ويشغله عن الصلاة ؟ ولو وجد مثل هذا السائل فكيف نشجعه على ارتكاب خطأٍ جسيم ٍكهذا ؟وهل كان علي رضي الله عنه يؤخر أداء الزكاة حتى يأتي مستحقها ليطلبها منه، ولا يبادر هو بإخراجها؟
ومع ذلك فقد ذكر ابن جرير الطبري أن سبب نزول هذه الآية أنه لما خانت بنو قينقاع الرسول ﷺ ذهبوا إلى عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرادوه أن يكون معهم فتركهم وعاداهم وتولى الله ورسوله فأنزل الله عز وجل هذه الآية (١).
الثاني: ليس في الآية مدح لمن يعطي الزكاة وهو راكع، وإلاّ صار مستحبًا لكل إنسان أن يؤدي الزكاة وهو راكع، ولم يقل بذلك أحد. بل معنى الركوع في الآية الخضوع والتذلل والاستسلام لله رب العالمين، كما في قوله تعالى:﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ ﴾ ﴿المرسلات: ٤٨﴾ و قد ذكر الله في نفس الآية إقامة الصلاة وهي تعني أداء ركوعها وسجودها وأداء سائر أركانها وسننها، مع الخشوع، على أكمل وجه.
وقال إبن كثير -رحمه الله تعالى- :

(١) - تفسير الطبري ( ١٠/٤٢٤)


الصفحة التالية
Icon