قلت: وهذا يقتضي أن ذلك كان بمكة، وأن الآية مكية وليس كذلك، وقد تقدّم أنّ هذه السورة مدنية بإجماع؛ ومما يدل على أنّ هذه الآية مدنية ما رواه مسلم في الصحيح " عن عائشة قالت: سهِر رسول الله ﷺ مَقْدَمه المدينَة ليلةً فقال:«ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة» قالت: فبينا نحن كذلك سمعنا خَشْخَشة سِلاح؛ فقال: «من هذا»؟ قال: سعد بن أبي وقاص فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما جاء بك»؟ فقال: وقع في نفسي خوفٌ على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه؛ فدعا له رسول الله ﷺ ثم نام (١) " وفي غير الصحيح " قالت: فبينما نحن كذلك سمعت صوت السلاح؛ فقال: «من هذا»؟ فقالوا: سعد وحُذَيْفة جئنا نحرسك؛ فنام ﷺ حتى سمعتُ غَطيطهُ ونزلت هذه الآية؛ فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من قُبَّة أدَمَ وقال: «انصرفوا أيها الناس فقد عَصَمني الله» (٢). وقرأ أهل المدينة: «رِسَالاَتِهِ» على الجمع. وأبو عمرو وأهل الكوفة: «رِسَالَتَهُ» على التوحيد ـ؛ قال النحاس: والقراءتان حسنتان والجمع أبْيَن؛ لأن رسول الله ﷺ كان ينزل عليه الوحي شيئاً فشيئاً ثم يُبيِّنهُ؛ والإفراد يدل على الكثرة؛ فهي كالمصدر والمصدر في أكثر الكلام لا يجمع ولا يثنى لدلالته على نوعه بلفظه كقوله:
﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا ﴾ [إبراهيم: ٣٤].
﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ أي لا يرشدهم وقد تقدّم.
وقيل: أََبْلِغ أنت فأما الهِداية فإلينا. نظيره ﴿ مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ ﴾ [المائدة: ٩٩] والله أعلم. أهـ (٣)

(١) - رواه الشيخان: البخاري(٦٨٠٤) ومسلم(٢٤١٠) واللفظ له.
(٢) - رواه الترمذي( ٣٠٤٦) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، وكذا الحاكم(٣٢٢١ ) وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) - تفسير القرطبي (٦/٢١٢-٢١٥)


الصفحة التالية
Icon