ولهذه المشيئة-المذكورة في الآية السابقة- هديناكم إلى الطريق الأقوم، وجعلناكم أمة عدولاً خياراً بما وفَّقناكم إليه من الدين الصحيح والعمل الصالح لتكونوا مقررى الحق بالنسبة للشرائع السابقة، وتكونوا شهداء على الناس من سائر الأمم، وعلى أن أنبياءهم قد أبلغوهم رسالات الله، ويكون الرسول محمد ﷺ شهيدًا عليكم.
أما القبلة إلى بيت المقدس والتي شرعناها لك حيناً من الدهر ثم أمرناك أن تتحول عنها فإنما جعلناها امتحانا للمسلمين، ليتبين منهم من يطيع أوامر الله ويتبع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ومن يغلب عليه هواه فيضلّ عن سواء السبيل.
ولقد كان الأمر بالتوجه الى بيت المقدس ثم التحول إلى الكعبة شاقاً إلاّ على الذين وفقهم الله إلى الإيمان. والله رؤوف بعباده، لأنه ذو رحمة واسعة فلا يُضيع عمل عامل من عباده.
قال الشنقيطي:
قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ﴾ الآية.
أي: خياراً عدولاً. ويدل لأن الوسط الخيار العدول قوله تعالى:
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾
[آل عمران: ١١٠]، وذلك معروف في كلام العرب، ومنه قول زهير:
| هم وسط يرضى الأنام بحكمهم | إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم |
لم يبين هنا هل هو شهيد عليهم في الدنيا أو الآخرة؟ ولكنه بين في موضع آخر أنه شهيد عليهم في الآخرة، وذلك في قوله:﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هؤلاء شَهِيداً يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثا ﴾[النساء: ٤١-٤٢].
قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ ﴾ الآية.