ليس أحد أكثر ظلماً ممن اختلق الكذب على الله، أو قال: تلقيت وحياً من الله، دون أن يكون قد تلقى شيئاً من الوحى. وليس أحد كذلك أشد ظلماً ممن قال: سآتى بكلام مثل ما أنزله الله! ولو تعلم حال الظالمين، وهم فى شدائد الموت. والملائكة ينزعون أرواحهم من أجسادهم فى قسوة وعنف، لرأيت هوْلاً رهيباً ينزل بهم! ويقال لهم حينئذ: الآن تبدأ مجازاتكم بالعذاب المذل المهين، جزاء ما كنتم تقولون على الله غير الحق، وجزاء استكباركم عن النظر والتدبر فى آيات الله الكونية والقرآنية.
قال ابن كثير:
يقول تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ﴾ أي: لا أحد أظلم ممن كذب على الله، فجعل له شركاء أو ولداً، أو ادعى أن الله أرسله إلى الناس ولم يرسله، ولهذا قال تعالى: ﴿ أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ ﴾ قال عكرمة وقتادة: نزلت في مسيلمة الكذاب ﴿ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ اللَّهُ ﴾ أي: ومن ادعى أنه يعارض ما جاء من عند الله من الوحي؛ مما يفتريه من القول؛ كقوله تعالى:
﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَاذَآ ﴾
[الأنفال: ٣١] الآية، قال الله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَرَى؟ إِذِ الظَّالِمُونَ فِى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ ﴾ أي: في سكراته، وغمراته، وكرباته، ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو؟اْ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي: بالضرب، كقوله:
﴿ لَئِن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى ﴾[المائدة: ٢٨] الآية،
وقوله:﴿ وَيَبْسُطُو؟اْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّو؟ءِ ﴾[الممتحنة: ٢] الآية،
وقال الضحاك وأبو صالح: باسطو أيديهم، أي: بالعذاب؛ كقوله:
﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ﴾[الأنفال: ٥٠]


الصفحة التالية
Icon