وعليه فالمراد من قوله سبحانه: ﴿ لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ﴾ أنه سبحانه لا يفعل ذلك أصلاً وإن تابوا، وعلى القول المشهور الذي عليه الجمهور: المراد من نفي المغفرة والهداية نفي ما يقتضيهما وهو الإيمان الخالص الثابت ومعنى نفيه استبعاد وقوعه، فإن من تكرر منهم الإرتداد وازدياد الكفر والإصرار عليه صاروا بحيث قد ضربت قلوبهم بالكفر وتمرنت على الردة وكان الإيمان عندهم أدون شيء وأهونه فلا يكادون يقربون منه قيد شبر ليتأهلوا للمغفرة وهداية سبيل الجنة، لا أنهم لو أخلصوا الإيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم.
وخص بعضهم عدم الاستتابة بالمتلاعب المستخف إذا قامت قرينة على ذلك، وخبر كان في أمثال هذا الموضع محذوف وبه تتعلق اللام كما ذهب إليه البصريون أي ما كان الله تعالى مريداً للغفران لهم، ونفي إرادة الفعل أبلغ من نفيه. وذهب الكوفيون إلى أن اللام زائدة والخبر هو الفعل. أهـ (١)
أما الشيعة الإمامية فيرَوْن أن الآية في الصحابة الذين آمنوا ببيعة علي فلما مات رسول الله ﷺ كفروا بتركهم مبايعة علي رضي الله عنه، وعلى رأس هؤلاء الصحابة الخلفاء الراشدون الثلاثة أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم.
قال الفيض الكاشاني:
﴿ إنَّ الّذِينَ آمَنُوا ﴾ كاليهود آمنوا بموسى عليه السلام وكالمنافقين آمنوا بمحمد ﴿ ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ ثم عبد اليهود العجل وارتد المنافقون ﴿ ثُمَّ آمَنُوا ﴾ عادوا إلى الإيمان ﴿ ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ كفر اليهود بعيسى وارتد المنافقون مرة أخرى ﴿ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً ﴾ بمحمد صلّى الله عليه وآله وسلم وتمادوا في الغي وأصروا عليه حتى ماتوا.

(١) - روح المعاني ( ٥ / ١٧٠-١٧١ )


الصفحة التالية
Icon