ألم تر يا محمد الى اليهود الذين أوتوا حظاً من عِلم الكتاب يؤمنون بالجبت: وهو كل ما عبد من دون الله، وقيل: هو السحر. والطاغوت: كل باطل من معبودٍ وغيره، وقيل: الشيطان والكاهن ونحوه. ثم يقولون للكفار إنهم أرشدُ طريقةً في الدين من الذين اتبعوا محمداً. كل ذلك حتى يُرضوا المشركين ويحالفوهم على حرب النبي ﷺ والمسلمين. أُوْلَائِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وطردهم من رحمته، ومن يخذله الله فلن تجد من ينصره أو يحميه.
ثم ينتقل سبحانه من توبيخهم على فِعلتهم المنكرة تلك الى توبيخهم على حسَدهم وبُخلهم وأثَرتهم، فيقول: ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ..... ﴾ فيا عجباً، إنهم لا يطيقون أن ينعم الله على عبدٍ من عباده بشيء من عنده إذا لم يكن يهودياً! فهل هم شركاؤه سبحانه، حتى يكون لهم نصيب في ملكه! لو كان لهم ذلك لضنّوا وبخلوا أن يعطوا الناس نقيرًا، وهو النقطة التي في ظهر النواة، وهو أتفهُ الأشياء وأقلها.
وقوله تعالى: ﴿ أم يحسدون الناس على آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً ﴾ أَمْ: بمعنى بل كسابقتها، لتبين انتقال اليهود من حال سيئة إلى أخرى، والهمزة للإِنكار، ينكر تعالى عليهم حسدهم للنبي ﷺ والمؤمنين على النبوة والدولة، وهو المراد من الناس (١)

(١) - وقال ابن الجوزي في تفسيره زاد المسير(٢/١٤٠): وفي المراد بـ(الناس) هاهنا أربعة أقوال:
أحدها: النبي صلى الله عليه وسلم، رواه عطيّة عن ابن عباس. وبه قال عكرمة ومجاهد والضحاك والسدي ومقاتل.
والثاني : النبي ﷺ، وأبو بكر، وعمر، روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
والثالث : العرب، قاله قتادة. والرابع : النبي ﷺ والصحابة، ذكره الماوردي.
وفي الذي (آتاهم الله من فضله) ثلاثة أقوال: أحدها : إِباحة الله تعالى نبيه أن ينكح ما شاء من النساء من غير عدد، روي عن ابن عباس، والضحاك، والسدي.
والثاني : أنه النبوّة، قاله ابن جريج، والزجاج. والثالث : بعثة نبيِّ منهم على قول من قال : هم العرب.


الصفحة التالية
Icon