الثاني: كلمة (مِن) هنا للتوكيد. فيكون المعنى : وعدهم الله تعالى كلهم مغفرة وأجرًا عظيما، كما يقول العربي: قطعت منالثوب قميصًا، ويريدُ قطعت الثوب كله قميصًا، وكما في قوله تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينًَ ﴾ ﴿الإسراء: ٨٢﴾ فليس معنى الآية أن بعض القرآن شفاءٌ للمؤمنين وبعضه ليس شفاءً. وإنما المعنى: القرآن كله شفاءٌ للمؤمنين، فكلمة(من)هنا مؤكدة للكلام.
ومما سبق بيانه يتضح أن معنى (منهم) في الآية المباركة -التي نحن بصدد تفسيرها- هي لبيان الجنس والمثل، أي من أمثالهم، أو للتأكيد عليهم رضي الله عنهم أجمعين.
ويؤيد ذلك سياق الآية فهي مدح لكلهم ليس فيها ذمٌ لبعضهم، فزكى ظاهرهم بالسجود والركوع والتذلل له فقال(تراهم ركعاً سجّداً) وزكى باطنهم فقال: (يبتغون فضلاً من الله ورضواناً) فبان بذلك مخالفتهم التامة لما عليه المنافقون من خبث الباطن والطوية كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُو؟اْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ﴿النساء: ١٤٢﴾ بل إن قوله تعالى في مدح الصحابة: ﴿ تراهم ركعاً سجّداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً ﴾ يدل على الاستمرار. ويؤيد ذلك أن الله مًكَّن لهم في الأرض واستخلفهم فيها لأنهم حققوا ما وعد الله به المؤمنين في قوله تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾﴿ النور: ٥٥﴾.


الصفحة التالية
Icon