وأما تفسير القرآن بما يُروى عن الصحابة أو التابعين، ففيه ما ثبت عنهم بالسند الصحيح، وفيه ما نقل عنهم بالسند الضعيف، بل وفيه ما نسب إليهم كذبًا وليس من كلامهم. وقيض الله تعالى من العلماء مَن بيّن الصحبح من السقيم، وإن كان صحيحها وسقيمها لا يزال خليطاً فى كثير من الكتب التى عَنِىَ أصحابها بجمع شتات الأقوال ولم يكن عندهم مَلَكة التحري. ولذلك ستجد كثيرًا ما يذكر بعض مفسري الشيعة آثارًا –لا تثبت- ثم يحتجون بأنها موجودة في كتب أهل السنة ليعمُّوا على القاريء الأمر فيظن صحة ما ذكروه لمجرد أنه مذكور في بعض التفاسير عند أهل السنة، وليست العبرة بعدد من رواه وإنما العبرة بصحة السند إلى قائله، فكم من الأحاديث والآثار ليس لها إلا طريق واحد ولكنها صحيحة لأنها استوفت شروط الصحة المعروفة عند المُحَدِّثين، وكم من حديثٍ تعددت طرقه ولا قيمة لها لأن جميع طرقه لا تخلو من كذاب أو متهم بكذب، بل من المعلوم عند المحدثين أن الحديث الذي كثرت طرقه ولكن لا تخلو من كذاب أو متهم، فإن كثرة الطرق لا تقويه بل تزيده ضعفًا على ضعفه لتوارد الكذابين عليه. بخلاف الحديث الذي ليس في طرقه وضاع أومتهم بكذب فهذا قد يتقوى بكثرة الطرق.
هل فسّر الرسول ﷺ القرآن كله؟
إن الرسول ﷺ بيَّن الكثير من معانى القرآن لأصحابه، كما تشهد بذلك كتب الصحاح، ولم يُبيِّن كل معانى القرآن، لأن من القرآن ما استأثر الله تعالى بعلمه، ومنه ما يعلمه العلماء، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها، ومنه ما لا يعُذر أحد فى جهالته كما صرّح بذلك ابن عباس فيما رواه عنه ابن جرير، قال: "التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته، وتفسير تعرفه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله" (١).

(١) -تفسير الطبري (١/٧٥)


الصفحة التالية
Icon