ثم قُرِنَ اليهودُ والنصارى والمشركون في قَرن حسدهم المسلمين، والسخط على الشريعة الجديدة [مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ] إلى قوله: [وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ] ثم ما أثير من الخلاف بين اليهود والنصارى، وادعاء كل فريق أنه هو المحق [وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ] إلى [يَخْتَلِفُونَ].
ثم خُص المشركون بأنهم أظلم هؤلاء الأصناف الثلاثة؛ لأنهم منعوا المسلمين من ذكر الله في المسجد الحرام، وسعوا بذلك في خرابه، وأنهم تشابهوا في ذلك هم واليهود والنصارى، واتحدوا في كراهية الإسلام.
وانتقل بهذه المناسبة إلى فضائل المسجد الحرام، وبانيه، ودعوتِه لذريته بالهدى، والاحترازِ عن إجابتها في الذين كفروا منهم، وأن الإسلام على أساس ملة إبراهيم وهو التوحيد، وأن اليهودية والنصرانية ليستا ملة إبراهيم، وأن من ذلك الرجوعَ إلى استقبال الكعبةِ ادخره الله للمسلمين آية على أن الإسلام هو القائم على أساس الحنيفية، وذَكَرَ شعائر الله بمكة، وإبكاتَ أهل الكتاب في طعنهم على تحويل القبلة، وأن العناية بتزكية النفوس أجدر من العناية باستقبال الجهات [لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ].
وذُكِّروا بنسخ الشرائع؛ لصلاح الأمم، وأنه لا بدع في نسخ شريعة التوراة، أو الإنجيل بما هو خير منهما.
ثم عاد إلى محاجة المشركين بالاستدلال بآثار صنعة الله [إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ] إلخ، ومحاجة المشركين في يوم يتبرأون فيه من قادتهم، وإبطال مزاعم دين الفريقين في محرمات من الأكل [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ].
وهذا بعيد؛ لأن لفظ السجدة ليس اسماً لهذه السورة إلا بإضافة (سورة) إلى (السجدة) فالوجه أن يكون لفظ (السجدة) في كلام أبي هريرة مجروراً بإضافة مجموع [أَلَمْ تَنزِيلُ] إلى لفظ (السجدة)، وسأبين كيفية هذه الإضافة.
وعنونها البخاري في صحيحه =سورة تنزيل السجدة+.
ويجب أن يكون [تَنزِيلُ] مضموناً على حكاية لفظ القرآن، فتميزت هذه السورة بوقوع سجدة تلاوة فيها من بين السور المفتتحة بـ[أَلَمْ] فلذلك فمن سماها (سورة السجدة) عنى تقدير مضاف أي سورة (ألم السجدة). ٢١/٢٠١_٢٠٢
٢_ وتسمى هذه السورة _أيضاً_ (سورة المضاجع) لوقوع لفظ [الْمَضَاجِعِ] في قوله _تعالى_: [تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ].
وفي تفسير القرطبي عن مسند الدرامي(١) أن خالد بن معدان(٢) سماها =المنجية+.
قال: =بلغني أن رجلاً يقرؤها ما يقرأ شيئاً غيرها، وكان كثير الخطايا، فنشرت جناحها وقالت: رب اغفر له؛ فإنه كان يكثر من قراءتي؛ فشفعها الرب فيه وقال: اكتبوا له بكل خطيئة حسنة وارفعوا له درجة+ ا هـ. ٢١/٢٠٣
٣_ وهي مكية في إطلاق أكثر المفسرين، وإحدى روايتين عن ابن عباس، وفي رواية أخرى عنه استثناء ثلاث آيات مدنية وهي: [أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً] إلى [لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ].
قيل: نزلت يوم بدر في علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة وسيأتي إبطاله.
وزاد بعضهم آيتين: [تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ]إلى [بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] لما روي في سبب نزولها وهو ضعيف.
والذي نعول عليه أن السورة كلها مكية وأن ما خالف ذلك إنْ هو إلا تأويل، أو إلحاق خاص بعام كما أصلنا في المقدمة الخامسة.
(٢) ٢_ خالد بن معدان الكلاعي الحمصي أبو عبدالله من فقهاء التابعين، توفي سنة ثلاث أو أربع أو ثمان ومائة، روى عن جماعة من الصحابة مرسلاً.