وقد كَمَّل ذلك بذكر صنفٍ من الناس قليلٍ وهم المشركون الذين لم يظهروا الإسلام، ولكنهم أظهروا مودة المسلمين [وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا].
ولما قَضَى حق ذلك كله بأبدع بيان، وأوضح برهان انتقل إلى قسم تشريعات الإسلام إجمالاً بقوله: [لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ] ثم تفصيلاً: القصاصُ، الوصيةُ، الصيامُ، الاعتكافُ، الحجُ، الجهادُ، ونظامُ المعاشرة والعائلة، والمعاملاتُ المالية، والإنفاقُ في سبيل الله، والصدقاتُ، والمسكراتُ، واليتامى، والمواريثُ، والبيوعُ، والربا، والديونُ، والإشهادُ، والرهنُ، والنكاحُ، وأحكامُ النساء، والعدةُ، والطلاقُ، والرضاعُ، والنفقاتُ، والأيمانُ.
وخُتِمَتِ السورةُ بالدعاء المتضمن لخصائص الشريعة الإسلامية، وذلك من جوامع الكلم؛ فكان هذا الختام تذييلاً(١) وفذلكة(٢) [

(١) _ التذييل: هو أحد ضروب الإطناب، والإطناب أحد أبواب القسم الأول من أقسام علم البلاغة، وهو علم المعاني.
والتذييل: هو الإتيان بجملة مستقلة عقب الجملة الأولى التي تشتمل على معناها للتأكيد.
وتحت التذييل أضرب وتقسيمات.
وقد أكثر ابن عاشور في تفسيره من إيراد التذييل؛ لما له من الأهمية، والشرف.
قال أبو هلال العسكري ×: =وللتذييل في الكلام موقع جليل، ومكان شريف خطير؛ لأن المعنى يزداد به انشراحاً، والمقصد انفتاحاً+. كتاب الصناعتين ص٣١٣
وقال: =فأما التذييل فهو إعادة الألفاظ المترادفة على المعنى بعينه؛ حتى يظهر لمن لم يفهمه، ويتوكد عند من فهمه+. كتاب الصناعتين ص٣١٣ (م)
(٢) _ الفَذْلَكَة: كلمة محدثة، ومعناها: مجمل ما فصِّل وخلاصته.
ومنه: فَذْلَكَ الحساب: أي أنهاه، وفرغ منه.
وهي منحوتة من قوله: فذلك كذا وكذا: إذا أجمل حسابه. انظر المعجم الوسيط ٢/٦٧٨. (م)

نزلت بعد سورة النحل وقبل سورة نوح، وقد عدت الثالثة والسبعين في النزول.
وعدت آياتها عند جمهور العادين ثلاثين، وعدها البصريون سبعاً وعشرين. ٢١/٢٠٣_٢٠٤
٤_ من أغراض هذه السورة: أوَّلُها التنويهُ بالقرآن أنه منزلٌ من عند الله، وتوبيخُ المشركين على ادعائهم أنه مفترىً بأنهم لم يسبقْ لهم التشرفُ بنزول كتاب.
والاستدلالُُ على إبطال إلهية أصنامهم بإثبات انفراد الله بأنه خالق السماوات والأرض، ومُدَبِّرُ أمورهما.
وذكرُ البعثِ، والاستدلالُ على كيفيةِ بدءِ خَلْقِ الإنسان ونسلِه، وتنظيرُُُُه بإحياء الأرض، وأُدْمِج في ذلك أن إحياءَ الأرضِ نعمةٌ عليهم كفروا بمسديها.
والإنحاءُ على الذين أنكروه ووعيدُهم.
والثناءُُُ على المصدقين بآيات الله وَوَعْدُهم، ومقابلةُ إيمانهم بكفر المشركين، ثم إثباتُ رسالةِ رسولٍ عظيمٍ قبل محمد "هُدِيَ به أمةٌ عظيمة.
والتذكيرُُُُ بما حل بالمكذبين السابقين؛ ليكون ذلك عظةً للحاضرين، وتهديدهم بالنصر الحاصل للمؤمنين.
وخُتِمَ ذلك بانتظار النصر.
وَأَمْرُ الرسولِ "بالإعراض عنه؛ تحقيراً لهم، وَوَعْدُه بانتظار نصره عليهم.
ومن مزايا هذه السورةِ وفضائلها ما رواه الترمذي والنسائي وأحمد والدارمي عن جابر بن عبد الله قال: =كان النبي لا ينام حتى يقرأ [الم تَنْزِيْلُ] السجدة و[تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ]+. ٢١/٢٠٤_٢٠٥
٥_ [فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ]: أي لا تبلغ نفس من أهل الدنيا معرفة ما أعد الله لهم قال النبي"قال الله _تعالى_: =أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر+.


الصفحة التالية
Icon