لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ] الآيات.
وكانت في خلال ذلك كله أغراضٌ شتى سبقت في معرض الاستطراد في متفرق المناسبات؛ تجديداً لنشاط القارئ والسامع كما يسفر وجهُ الشمسِ إثرَ نزولِ الغيوثِ الهوامع، وتَخْرُج بوادِرُ الزَّهرِ عَقِبَ الرُّعودِ القوارع، من تمجيد الله وصفاته [اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ] ورحمتِه وسماحةِ الإسلام، وضربِ أمثال [أَوْ كَصَيِّبٍ] واستحضارِ نظائر [وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ] [أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ] وعلمٍ وحكمةٍ، ومعانيْ الإيمانِ والإسلامِ، وتثبيتِ المسلمين [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ] والكمالاتِ الأصليةِ، والمزايا التحسينيةِ، وأخذِ الأعمال والمعاني من حقائقها وفوائدها لا من هيئاتها، وعدمِ الاعتداد بالمصطلحات إذا لم تَرْمِ إلى غايات [وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا] [لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ]، [وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ] والنظرِ والاستدلالِ، ونظامِ المحاجَّةِ، وأخبارِ الأمم الماضية، والرسلِ وتفاضلِهم، واختلافِ الشرائع. ١/٢٠٣_٢٠٦
٥_ [ألم (١) ]:
تحير المفسرون في محلِّ هاتِهِ الحروفِ الواقعة في أول هاته السور، وفي فواتح سورٍ أخرى عدة، جميعها تسع وعشرون سورة، ومعظمها في السور المكية، وكان بعضها في ثاني سورة نزلت وهي [ن وَالْقَلَمِ].
وأَخْلِقْ بها أن تكون مثار حيرة، ومصدر أقوال متعددة، وأبحاث كثيرة.
فدل على أن المراد بـ[نَفْسٌ] في هذه الآية أصحاب النفوس البشرية؛ فإن مدركات العقول منتهية إلى ما تدركه الأبصار من المرئيات من الجمال والزينة، وما تدركه الأسماع من محاسن الأقوال، ومحامدها، ومحاسن النغمات، وإلى ما تبلغ إليه المتخيلات من هيئات يركبها الخيال من مجموع ما يعهده من المرئيات والمسموعات مثل الأنهار من عسل أو خمر أو لبن، ومثل القصور والقباب من اللؤلؤ، ومثل الأشجار من زبرجد، والأزهار من ياقوت، وتراب من مسك وعنبر؛ فكل ذلك قليل في جانب ما أعد لهم في الجنة من هذه الموصوفات، ولا تبلغه صفات الواصفين؛ لأن منتهى الصفة محصور فيما تنتهي إليه دلالات اللغات مما يخطر على قلوب البشر؛ فلذلك قال النبي": =ولا خطر على قلب بشر+ وهذا كقولهم في تعظيم شيء: هذا لا يعلمه إلا الله. ٢١/٢٢٩_٢٣٠
١_ هكذا سميت (سورة الأحزاب) في المصاحف وكتب التفسير والسنة، وكذلك رويت تسميتها عن ابن عباس وأبي بن كعب بأسانيد مقبولة، ولا يعرف لها اسم غيره، ووجه التسمية أن فيها ذكر أحزاب المشركين من قريش ومن تحزب معهم أرادوا غزو المسلمين في المدينة فرد الله كيدهم وكفى الله المؤمنين القتال.
وهي مدنية بالاتفاق، وسيأتي عن ابن عباس أن آية: [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ] الخ، نزلت في تزويج زينب بنت جحش من زيد بن حارثة في مكة.
وهي التسعون في عداد السور النازلة من القرآن، نزلت بعد سورة الأنفال، وقبل سورة المائدة.
وكان نزولها على قول ابن إسحاق أواخر سنة خمس من الهجرة وهو الذي جرى عليه ابن رشد في البيان والتحصيل.