الرابع: جزم الشيخ محيي الدين في الباب الثامن والتسعين والمائة في الفصل ٢٧ منه من كتابه الفتوحات: أن هاته الحروف المقطعة في أوائل السور أسماء للملائكة، وأنها إذا تليت كانت كالنداء لملائكتها؛ فتصغي أصحاب تلك الأسماء إلى ما يقوله التالي بعد النطق بها، فيقولون: صدقت إن كان ما بعدها خبر، ويقولون: هذا مؤمن حقاً نطق حقاً، وأخبر بحق فيستغفرون له، وهذا لم يقله غيره وهو دعوى.
الخامس: أنها رموز كلها لأسماء النبي"وأوصافه خاصة، قاله الشيخ محمد ابن صالح المعروف بابن ملوكة التونسي(١) في رسالة له، قال: إن كل حرف من حروف الهجاء في فواتح السور مكنى به عن طائفة من أسمائه الكريمة، وأوصافه الخاصة، فالألف مكنى به عن جملة أسمائه المفتتحة بالألف كأحمد وأبي القاسم، واللام مُكَنَّى به عن صفاته مثل لب الوجود، والميم مكنى به عن محمد ونحوه مثل مبشر ومنذر، فكلها منادى بحرف نداء مقدر بدليل ظهور ذلك الحرف في يس، ولم يعز هذا القول إلى أحد، وعلق على هذه الرسالة تلميذه شيخ الإسلام محمد معاوية تعليقة أكثر فيها من التعداد، وليست مما ينثلج لمباحثه الفؤاد، وهي وأصلها موجودة بخزنة جامع الزيتونة بتونس عدد ٥١٤ ويرد هذا القول التزام حذف حرف النداء، وما قاله من ظهوره في يس مبني على قول من قال: إن يس بمعنى يا سيد وهو ضعيف؛ لأن الياء فيه حرف من حروف الهجاء، ولأن الشيخ نفسه عد يس بعد ذلك من الحروف الدالة على الأسماء مدلولاً لنحو الياء من [كهيعص].
وانْتُقِلَ من ذلك إلى أحكامٍ في معاشرة أزواج النبي"وذكر فضلهن وفضل آل النبي"وفضائلِ أهل الخير من المسلمين والمسلمات.
وتشريعٌ في عدة المطلقة قبل البناء.
وما يسوغُ لرسول الله " من الأزواج، وحكمُ حجابِ أمهات المؤمنين، ولُبْسةُ المؤمنات إذا خرجن.
وتهديدُ المنافقين على الإرجاف بالأخبار الكاذبة.
وخُتِمَت السورةُ بالتنويه بالشرائع الإلهية؛ فكان ختامُها من ردِّ العَجُزِ على الصدر؛ لقوله في أولها [وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ].
وتخلل ذلك مستطرداتٌ من الأمر بالائتساء بالنبي".
وتحريضُ المؤمنين على ذكر الله، وتنزيهه؛ شكراً له على هديه، وتعظيمُ قَدْرِ النبي"عند الله وفي الملأ الأعلى، والأمرُ بالصلاةِ عليه والسلام.
ووعيدُ المنافقين الذين يأتون بما يؤذي الله ورسوله والمؤمنين.
والتحذيرُ من التورط في ذلك؛ كيلا يقعوا فيما وقع فيه الذين آذوا موسى _عليه السلام_. ٢١/٢٤٧_٢٤٨
٤_ فإحباط الأعمال: إبطال الاعتداد بالأعمال المقصود بها القربة، والمظنون بها أنها أعمال صالحة لمانع منع من الاعتداد بها في الدين.
وقد صار لفظ الحبط والحبوط من الألفاظ الشرعية الاصطلاحية بين علماء الفقه والكلام، فأطلق على عدم الاعتداد بالأعمال الصالحة بسبب الردة، أي الرجوع إلى الكفر، أو بسبب زيادة السيئات على الحسنات بحيث يستحق صاحب الأعمال العذاب بسبب زيادة سيئاته على حسناته بحسب ما قدر الله لذلك، وهو أعلم به. ٢١/٢٩٩
٥_ وأما حفظ الفروج فلأن شهوة الفرج شهوة جبلية، وهي في الرجل أشد، وقد أثنى الله على الأنبياء بذلك، فقال في يحيى:[وَحَصُوراً].
وقال في مريم: [الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا] وهذا الحفظ له حدود سنَّتْهَا الشريعةُ، فالمراد: حفظ الفروج على أن تستعمل فيما نُهِي عنه شرعاً، وليس المراد: حفظها عن الاستعمال أصلاً وهو الرهبنة؛ فإن الرهبنةَ مدحوضةٌ في الإسلام بأدلة متواترة المعنى. ٢٢/٢٢